
حمى الله سبحانه وتعالى الأسرة المسلمة بدعائم ركيزة, وأحاطها بسياج منيع, وجعل الأصل فيها المودة والرحمة, وشملها بميثاق غليظ, يقدر أهميته كلا الزوجين.
فكان الزَّواج نعمةً من الله تعالى ومحض تفضُّل على العبد. إلا أنَّ هناك ظاهرةً ليست بالنَّازلة المستحدثة؛ بل لها جذورٌ متأصلةٌ لا نزل نسمع عنها بين الحين والآخر, ظهرت في كثير المجتمعات الإسلامية, وانتشرت بين العديد من الأُسر المسلمة, واختلفت فيها تصرُّفات النَّاس وآراؤهم وتشعبت فيها أفكارهم وأهوائهم, وهي "ظاهرة الفرقة بسب عدم الإنجاب".
مقدمة:
أودع الله تعالى في البشر غريزة حبَّ الولد والتَّشوق إلى الأبوة, ومن حكمة الله تعالى أنه قسم النَّاس إلى أربعة أصناف.. صنفٍ يوهب الإناث وليس معهم ذكر.. وصنفٍ يوهب الذكور وليس معهم أنثى.. وصنفٍ يوهب الإناث والذُّكور.. وصنفٍ رابع لا يوهب شيئاً من ذلك لحكمة يعلمها الخالق جلَّ وعلا.
قال تعالى:{لله ملك السموات والأرض يخلق ما يشآء يهب لمن يشآء إناثاً ويهب لمن يشآء الذُّكور (49) أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً, ويجعل من يشاء عقيماً, إنَّه عليمٌ قديرٌ}. [الشورى:49-50]. وأفاد تزييل الآية بهذه الخاتمة وهي: {إنَّه عليمٌ قديرٌ} أنَّ الله يعلم ذلك واختاره سبحانه, وأنَّ عدم إنجاب هذا الإنسان ليس ناشئاً عن عجز القدرة الإلهية وإنَّما لأمور أخرى الله أعلم بها.
ومع هذا نجد كثير من المسلمين إذا ابتلي بهذا الأمر –وهو عدم الإنجاب- خاصةً إذا كانت الزوجة هي التي لا تلد يسعى إلى تطليقها, والتَّخلي عنها بعد ما كان بينهما من مودةٍ وحبٍّ.
فكان لا بد من الإشارة إلى هذا الأمر مع مراعاة حال المبتَلَين بهذا الأمر. مبينين حكم طلب الفرقة بسبب عدم الإنجاب, والحلول.
أولاً: حكم الفرقة بسبب عدم الإنجاب:
القول الأول: لكل من الزَّوجين الحق أن يفارق صاحبه إذا ظهر عقمه بالفسخ:
فعن ابن سيرين أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه: بعث رجلاً على بعض السِّعاية، فتزوج امرأة وكان عقيماً، فقال له عمر رضي الله عنه: أعلمتها أنك عقيم؟ قال: لا. قال: فانطلق فأعلمها ثمَّ خيرها" (1).
وقال الحسن رحمه الله تعالى: "إذا وجد الآخرَ عقيماً يخير" (2).
وذهب إليه من المعاصرين: الشَّيخ محمد بن إبراهيم في عدة فتاوى مجملها أنَّ: "العقم عيب يرد يُطلبُ به فسخُ النِّكاح, ما لم تكن المرأة دخلت على بصيرة وعلم بالواقع". (3). والشَّيخ سيد سابق رحمه الله تعالى حيث قال: "...أن يتزوج الرجل المرأة وهو عقيم، لا يولد له ولم تكن تعلم بعقمه، فلها في هذه الحال حق نقض العقد وفسخه متى علمت، إلا إذا اختارته زوجا لها، ورضيت معاشرته". (4). وقال الشَّيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى –عمن وجدت زوجها عقيماً-: "تنظر للمصلحة، إن رأت المصلحة أن تبقى معه على حاله فهو خير، وإن قالت: إنها تريد الأولاد فلتستسمح منه ولتطلب منه أن يفسخ النِّكاح أو يطلقها" (5). وذهب إليه الشَّيخ عبد الله بن جبرين رحمه الله حيث قال: "...إذا لم تعلم به المرأة فلها طلب الفسخ لرغبتها في الذرية، فإن وجدت الحلول الطبية والعلاجات الشرعية التي تعيد إلى الرجل ما نقصه من أسباب الإنجاب فليس لها طلب الفسخ إلا بعد إجراء العمليات وعدم الإفادة منها" (6).
القول الثاني: أنَّ هذا العقم ليس بعيب يرد به النِّكاح, وليس لأحدهما طلب الفسخ من الآخر إذا كان عقيماً:
وهو قول جماهير أهل العلم, قال الموفَّق ابن قُدامة رحمه الله تعالى: "لا نعلم في هذا خلافاً بين أهل العلم" (7).
قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: "ولو نكحها وهو يقول أنا عقيم, أو لا يقوله, حتى ملك عقدتها ثم أقر به, لم يكن لها خيار, وذلك أنه لا يعلم أنه عقيم أبداً حتى يموت؛ لأن ولد الرجل يبطئ شاباً ويولد له شيخاً, وليس له في الولد تخيير, إنما التخيير في فقد الجماع لا الولد"(8).
وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى -لما سئل عن الرجل يتزوج المرأة وهو عقيم لا يولد له؟-: "أعجب إلي إذا عرف ذا من نفسه أن يبين عسى امرأته تريد الولد"(9).
وقول الإمام أحمد رحمه الله تعالى محمول على استحباب تبيين حاله إذا كان يعلم أنه عقيم في ابتداء النِّكاح, أما إذا انعقد النِّكاح فلا يكون العقم عيباً يفسخ به النِّكاح. وهو ما فهمه الموفق ابن قدامة من كلام الإمام رحمه الله تعالى وعبَّر عنه بقوله: وأحب أحمد أن يتبين أمره, وقال: عسى امرأته تريد الولد". ثم قال ابن قدامة (10): "وهذا في ابتداء النِّكاح, فأما في الفسخ فلا يثبت به, ولو ثبت بذلك لثبت في الآيسة, ولأن ذلك لا يُعلم, فإن رجالاً لا يولد لأحدهم وهو شابٌ, ثم يولد له وهو شيخ, ولا يتحقق ذلك منهما".
وقال الشَّيخ عطية صقر رحمه الله: "لقد تحدث الفقهاء عن العيوب التي تعطى الزوج الحق في فسخ النِّكاح ومنها البرص والجذام والجنون والرتق - أي انسداد مدخل الذكر من الفرج -والقرن شيء يبرز في الفرج كقرن الشاة أو غدة تمنع المخالطة. وقال بذلك الأئمة الثلاثة دون أبى حنيفة. واتفق الفقهاء على أنَّ عقم المرأة وعدم إنجابها ليس عيباً فيها يمنع استمتاع الزوج بها، فليس له خيار الفسخ لأن الإنجاب يرجع إلى إرادة الله سبحانه. ومن هنا لا ينفسخ العقد بظهور عدم إنجاب الزوجة. ولكن له الحق في طلاقها وتترتب أحكام الطلاق في هذه الحالة، كأية حالة أخرى، فما دام الزوج قد دخل بها فلو طلقها كان لها مؤخر الصداق، ونفقة العدة وليس له أن يلزمها بإبرائه أو التنازل عن شيء من حقوقها إلا إذا طلبت هي الطلاق فيمكن التفاهم على ما تتنازل عنه، وهذا ما يجرى عليه العمل في المحاكم المصرية طبقا للقانون رقم 78 لسنة 1931 م. وإذا ظهر أن بالزوج عيبا يمنع الإنجاب . كأن كان مجبوباً -أي مقطوع الذكر-أو عنيناً - أي غير قادر على الجماع لضعف خِلقي أو كبر السنِّ مثلاً-أو خصياً-أي مقطوع الخصيتين -فللزوجة أن ترفع الأمر إلى القضاء لطلب التفريق بينه وبينها ، وإذا ثبت ذلك عند القاضي بأي طريق من طرق الإثبات أمر الزوج بتطليقها ، فإن لم يطلقها ناب عنه القاضي في تطليقها منعا للضرر الذي يلحقها -وهذا الطلاق يكون بائناً بينونةً صغرى. لكنَّ التفريق مشروط بعدم علمها بحالته قبل الزواج، وبألا يوجد منها ما يفيد رضاها بالمكث معه بعد الزواج والعلم بحاله. والتفريق بسبب الجب في الحال لا يحتاج إلى ضرب أجل ، وبسبب العنة يمهل الزوج سنة لعله يقوى بالعلاج أو بغيره على الجماع ،وبسبب الخصاء يمهل الزوج سنة . والتفريق بسبب الجب والعنة والخصاء يعتبر طلاقا عند الحنفية والمالكية وأكثر العلماء . هذا وإذا فرق بين الزوجة وزوجها العنين أو الخصي وكان قد خلا بها ، فإنها تستحق جميع المهر، لأنها خلوة صحيحة وعليها العدة للاحتياط ، وإذا كان مجبوباً وخلا بزوجته ثم فرق بينهما كان لها جميع المهر أيضا عند أبى حنيفة، ولها نصفه عند أبى يوسف ومحمد صاحبيه ، وعليها العدة باتفاق الجميع بذلك للاحتياط . "الأحوال الشخصية للشيخ عبد الرحمن تاج ص 347 - 350 ") (11).
خلاصة الكلام على مسألة الفرقة بسبب عدم الإنجاب:
أنَّ أهل العلم اختلفوا هل يفرق بعيب العقم أم لا؟ فذهب بعض أهل العلم أن الإنسان مخير في هذا بين طلب الفرقة لأن ذلك عيب, ولأن حبَّ الولد مركوز في الفِطَر. وذهب جمهور أهل العلم وهو الأكثر أن لا خيار في ذلك, وهو قول قوي. خاصة وأن الإنسان قد يمنع الولد فترة ثم يرزقه الله عز وجل فليس هناك قطع بالعقم إلا إذا جزم الأطباء وذوي الاختصاص بذلك. أما عن مسألة الأولاد فإن الله عز وجل قد فتح أمامه الوسائل الطبية الجائزة كطلب العلاج فإن الله عز وجل ما أنزل داءً إلا أنزل له دواء علمه من علمه وجهله من جهله.
وأيضاً من الحلول مسألة التعدد فإن الله تعالى أباح له ذلك وأذن فيه, فلا داعي حينئذ لطلب الفرقة أو التطليق وهذا إذا ما كانت المرأة لا تنجب, أما في حال كون الرجل لا ينجب فإن المرأة تُخير وذلك إذا كانت متضررة بعدم الولد وأنها تأمل أن يأتيها الولد بالتزوج من غيره فلها أن تطلب الطلاق والحال هذه.
ومما يُلاحظ ويُلمس في كثير من المجتمعات الإسلامية أنه أول ما يظهر عند أحد الزوجين يسعون إلى طلب الطلاق, ويبدأ إلحاح الأهل والأقارب, ونسوا أن الله تعالى هو الذي يأتي بهذا الأمر وهو الذي يمنعه, وأنه إذا أعطى أعطى لحكمة وإذا منعه منعه لحكمة, ولقد اختار الله تعالى للأبوين المؤمنين في سورة الكهف أن يبقيا بدون ولد وأن يفقداه بعد وجوده, فقال تعالى معللاً ذلك: {فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفْراً}. فلا داعي لأن يقوم الزوج إلى التَّطليق لمجرد أن يظهر عقم زوجته ذلك أنَّ هذا الأمر له أثر كبير على حال المرأة, وكم يتألم القلب حينما يسمع مثل هذه الأمر وكأنَّ فاعل ذلك نسي البرَّ والمودة والحب لأمر كتبها الله عليهما, وليس لها ولا له فيه سبب, ولو أنَّ الإنسان احتسب في ذلك وصبر لأعقبه الله تعالى عنه خيراً. وهناك حلول ومخارج كثيرة بإذن الله تعالى.
ثالثاً: الحلول:
1- الدعاء والاستغفار والتماس أوقات الإجابة, وقد حكى الله تعالى عن نبيه زكريا عليه السلام دعائه: {ربِّ إنِّي وهن العَظْم منِّي, واشتعل الرأس شيْباً, ولم أكن بدعائك ربِّ شقياً} أي ربَّ إني لم أدعك قط فخيبتني فيما مضى فتخيبني فيما بقي فكما لم أشق بدعائي فيما مضى فكذلك لا أشقى فيما بقي عودتني الإجابة من نفسك.
وقال الشاعر:
أتهزأ بالدعاء وتــــــزدريه وتنسى ما فعل الدعاء
سهام الليل لا تخطي ولكن لها أمد وللأمد انقضاء
2- التَّعدد لالتماس الذُّرية, وقد أباحه الله تعالى في كتابه, ولا جرم في ذلك, ويحرص على العدل بينهن, ويستحسن له بسط الأسباب لزوجته الأولى، وإشعارها بأنه لن يتخلى عنها ولن يقصر في حقها، وأنَّ ما فعله أمرٌ مشروع.
ويتنبه إلى مسألة: عدم الاستعجال في طلاق الأولى خاصة مع ضغط الأقارب، فربما كانت الزوجة الثانية مفتاح للإنجاب، وغالباً يكون الإنجاب للأولى والثانية، وهذا مجربٌ.
3- طلب العلاج النافع والكشف الطبي لدى المتخصصين، فربما كان السبب شيئاً بسيطاً، وبعد علاج يسير يبدأ الإنجاب بإذن الله تعالى. ومن العلاج النافع أيضاً الرقية الشرعية بقراءة القرآن واستعمال الأدوية النَّبوية المذكورة في الطَّب النَّبوي.
ويتنبه في هذا إلى أن بعض الناس يُلجئه طلب الأولاد إلى الذهاب إلى السحرة والكهان, وهذا قد انتشر في بعض الأوساط, وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه "من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد"، وفي رواية عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم: "من أتى عرافاً فصدقه بما يقول لم يقبل له صلاة أربعين يوماً" (12) وعلى المسلم أن يلجأ إلى الله الذي يقول: كما قال زكريا على نبينا وعليه الصلاة والسلام: {ربِّ هبْ لي منْ لدنْك طيِّبة} [آل عمران: 38].
الهوامش:
(1) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (4/406).
(2) انظر المغني (10/59).
(3) انظر مثلاً الفتوى (ص-ف 148 في 24-3-1375هـ), (ص-ق 479 في 13-11-1378هـ) من فتاوى ورسائل الشَّيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله.
(4) فقه السنة 2/61.
(5) اللقاء الشهري (50/15)
(6) انظر الفتوى رقم (8483) من موقع الشَّيخ رحمه الله تعالى
(7) المغني (10/59).
(8) (الأم (6/111-112)ط. دار الوفاء.
(9) مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهوية (4/1887-1888).
(10) المغني (10/59-60).
(11) انظر فتاوى الأزهر (10/89).
(12) رواه أحمد (9536), و(16638) وابن ماجه (639) وصححه الألباني في "صحيح الجامع" رقم (5939).



موضوع مهم للاسرة المسلمة, ويجب على كل اسرة مسلمة الصبر والرضا بقضاء الله وقدره, ولنا في رسول الله (ص) القدوة الحسنة فهو لم ينجب من السيدة عائشة وعلى ذلك لم يقم بأي شئ من امور المضايقة لها بل بالعكس كان يناديها يأرق الكلمات التي تحبها, ولما يساله احد من اكثر الناس تحبه؟ فيجيب انها عائشة, ولنا ايضا في نبي الله ابراهيم - على نبينا وعليه السلام- فها هو قد بلغ من العمر ما بلغ ولم ينجب وقد رزقه الله اسماعيل ومن بعده اسحاق لانهم كانو يتضرعون الى الله بالدعاء ولم يملوا:
الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء (39) { إبراهيم}
وايضا نبي الله زكريا:
فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90) { الأنبياء}
هذا وان كان هناك خطأ فمني ومن الشيطان - وان كان توفيقا فمن الله