
من القضايا الاجتماعية التي ثار حولها كثير من الكلام واللغط وأساء كثير من الناس فى فهمها وتطبيقها ، قضية اشتراط المرأة العصمة ، أو ما تعارف عليه الناس اليوم باسم " العصمة فى يد الزوجة".
ونظراً للحملات الشعواء التى تشنها المنظمات المشبوهة فى الداخل والخارج والتى تستهدف هدم الأسس الشرعية والإجتماعية التى تقوم عليها الأسرة المسلمة والبيت المسلم، وهى منظمات فى مجموعها تعمل على الترويج للقيم والمبادئ الغربية فى نظرتها تجاه المرأة ومكانتها فى المجتمع ، وتدفع بقوة نحو تغريب وعلمنة المجتمعات الإسلامية مركزة كل هجومها على المرأة المسلمة .
نظراً لهذه الحملات الشعواء على الثوابت الشرعية والإجتماعية للبيت المسلم سوف نعرض بصورة سريعة لقضية العصمة الزوجية والأثار الفقهية والإجتماعية والنفسية والسلوكية والمستقبلية المترتبة على جعل العصمة بيد الزوجة .
أولاً : حق الطلاق لمن ؟ولماذا ؟
من الأحكام التى استقرت فى الأمة على مدار تاريخها ومنذ قيامها حتى الآن أن الطلاق حق خالص للرجل دون المرأة ، ولكنه حق مقيد بضوابط كثيرة ، وقد اتفقت كلمة أهل العلم على هذا الكلام ، قال الفقهاء أن الطلاق حق للزوج فقط دون زوجته ، ولا يصح منها طلاق ، ولو وقع فلا يعد شيئاً ، قال الكاسانى من علماء الأحناف " والمرأة لا تملك الطلاق ، وإنما يملكه الزوج " بدائع الصنائع 2/326 ، وقال ابن حجر الهيثمى من علماء الشافعية "يشترط لنفوذه أى لصحة تنجيزه وتعليقه كونه من زوج" تحفة المحتاج 8/3.
وقال المنصور البهوتى من علماء الحنابلة " ولا يصح الطلاق إلا من زوج " شرح منتهى الارادات 3/74، وقال الباجى من أئمة المالكية " ولو طلقت المرأة زوجها لم يكن له حكم الطلاق " المنتقى 4/48.
ومستند أهل العلم وأئمة الفقه فى الحكم الشرعى على الكتاب والسنة ، ففى القرآن الكريم كل الآيات التى وردت فى شأن حكم الطلاق كانت الإضافة فيها للزوج دون الزوجة مثال قوله عز وجل فى سورة البقرة ( فإن طلقها ) و ( وإذا طلقتم النساء ) و ( وإن طلقتموهن .......) وفى سورة الأحزاب ( يأيها الذين أمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن.....) وفى سورة الطلاق ( يا أيها النبى إذا طلقتم النساء ......).
وفى السنة وردت عدة أحاديث تذكر واقعة الطلاق وفيها إضافة الطلاق للرجل دون المرأة مثل حديث ابن عمر فى الصحيحين وحديث امرأة ثابت بن قيس ، وقد روى ابن ماجه والبيهقى والطبرانى بإسناد حسن فى حديث ابن عباس رضى الله عنهما قال : [ أتى النبى صلى الله عليه وسلم رجل فقال يارسول الله ، سيدى زوجنى أمته ، وهو يريد أن يفرق بينى وبينها قال : فصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فقال : يا أيها الناس ، ما بال أحدكم يزوج عبده أمته ثم يريد أن يفرق بينهما ؟ إنما الطلاق لمن أخذ بالساق].
وليس فى منح حق الطلاق للرجل دون المرأة تمييزاً أو تحيزاً ضدها كما يروج لذلك المفهوم الأعوج أعداء الأمة ومنظماته وهيئاته ومؤتمراته السكانية المتتالية منذ أواسط القرن الماضى ، بل جاء الشرع الحكيم بإعطاء هذا الحق خالصاً للرجل لأسباب عديده منها :
1. أن الشريعة قد أوجبت على الرجل دون المرأة نفقة الزوجية بدء من المهر وتأسيس بيت الزوجية وتوفير المتاع اللازم لإقامته بما يتناسب مع منزلة وقدر من يتزوجها كما أوجبت عليه أيضا الإنفاق على المرأة حتى ولو كانت أغنى أهل الأرض فهى غير ملزمة قط باى نفقة من أى نوع ، والإنفاق على أولادهما ، لذلك كان من العدل الذى بنيت على أساسه الشريعة وأحكامها أن يكون حق الطلاق بيد الرجل دون المرأة ، كما أن إلزام الرجل بالنفقة وبذله للغالى والنفيس من أجل هذا الزواج يجعله يفكر كثيراً ويتروى قبل أن يقدم على حل هذه الرابطة التى كلفته كثيراً ، فى حين لو أعطى هذا الحق للمرأة فإنها لا تبالى بإيقاعه عند أول غضبة ، إذ ليس عليها أى تبعات مالية ، بل ربما تأمرت على زوجها كراهية له وأوقعت الطلاق كى ترغمه على دفع حقوقها لترهقه وتكسر أنفه إنتقاماً منه ، وذلك كله حيف وظلم ظاهر تأبه الشريعة الإسلامية والعقول السوية .
2. طبيعة تكوين المرأة العقلى والنفسى تجعلها تميل ناحية تحكيم العاطفة وتغليب المشاعر عند اتخاذ القرارات ، والتأثر بالمواقف الإنفعالية ، وهى أمور لا تنفك عن المرأة مهما بلغت من مكانه علمية وعقلية ، والسر وراء ذلك تكوينها الجسدى وأثر ذلك على نفسيتها ومزاجها ، فالتغيرات الجسدية التى تطرأ على المرأة حال الحيض والحمل والنفاس والرضاع واليأس كلها تنعكس سلباً على اتخاذ القرارات العادية اليومية ، فكيف الحال بقرارات مصيرية كبرى تحسم حياة أسرة أو تبقيها لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه البخارى فى الحيض ومسلم فى الإيمان : [ يا معشر النساء تصدقن أو أكثرن الاستغفار ، فإنى رأيتكن أكثر أهل النار ، فقلن بما يا رسول الله ؟ قال " تكثرن اللعن وتكفرن العشير " وفى روايه أخرى[ لو أحسنت إلى إحدهن الدهر كله ثم رأت منك شيئاً قالت : مارأيت منه خيراً قط ] .
والذى قد لايعرفه المفتونون والمنبهرون بكل ما يأتي من ناحية الغرب إن الإسلام حين أعطى للرجل الحق فى الطلاق دون المرأة ، لم يجعله حقاً مطلقاً بلا ضوابط أو قيود ،ولم يمنحه سلطة مطلقة بلا حسيب أو رقيب ، إنما وضع مجموعة كبيرة من التدابير اللازمة لمنع تعسف الرجل فى إستخدام هذا الحق أو الإساءة للمرأة من خلال تطبيقه ، ثم إن الإسلام لم يجعل قرار إنهاء العلاقة الزوجية بيد الرجل وحده ، بل جعل للمرأة سلطة مساوية للرجل ولكن بطريق آخر هو الخلع ، قال ابن رشد فى بداية المجتهد : ( أنه لما جعل الطلاق بيد الرجل إذا فرك ( يعنى أبغض ) المرأة ، جعل الخلع بيد المرأة إذا فركت زوجها ) .
ثانياً : شروط عقد الزواج
• والمقصود بها ما يشترطه أحد الزوجين على الآخر مما له فيه غرض ونفع خالص يعود عليه وهى الشروط التى تكون مقترنة بالإيجاب والقبول ، وقد اتفق الفقهاء على صحة الشروط التى تلائم مقتضى العقد ووجوب الوفاء بها مثل النفقة والسكنى وحسن المعاشرة والسلامة من العيوب التى لا تجيز فسخ الزواج مثل الا تكون عمياء أو صماء أو خرساء وطاعة الزوجة لزوجها فى المعروف إلي آخر هذه الشروط المتعارف عليها .
• كما اتفق الفقهاء على بطلان الشروط التى تنافى المقصود من العقد ، أو تخالف أحكام الشريعة مثل توقيت الزواج بمدة معينة أو طلاق الضرة أو ترك الوطء والإنفاق والمهر والسكنى وهذه الشروط فمنها ما يبطل العقد أصلاً فلا ينعقد ولا ينتج عنه أثار الزوجية مثل ترك الوطاء مطلقاً أو أنهما لا يتوارثان أحدهما أو كلاهما أو تأقيت الزواج وهو نكاح المتعه ، ومنها ما لايبطل العقد ولكن يبطل الشرط وحده مثل القسمة بين الضرائر فى المبيت أو اشتراط الخيار لأحد الزوجين أو لكل منهما أن يعدل عن الزواج بعد فترة معينة ، وأو لا مهر للمرأة .
• فى حين أتفق الحنفية والمالكية والحنابلة على صحة الشروط التى يكون فيها تحقيق وصف مرغوب فيه ، أو خلو المرأة من عيب لا يثبت الخيار عند فسخ الزواج وإختلفوا فى الشروط التى لا تكون من مقتضى العقد ، ولكنها لا تنافى حكماً من أحكام الزواج وفيها منفعة لأحد العاقدين ( غالباً الزوجة ) كاشتراط ألا يتزوج عليها أو ألا يسافر بها ، أو ألا يخرجها من دارها أو بلدها ، أو الخروج للعمل ، ونحو ذلك :
فـالـحـنـابـلـة يـقـولـون : إنها شروط صحيحة يلزم الوفاء بها .
والـمالكية يـقـولـون : إنها شروط مكروهه لا يلزم الوفاء بها ، بل يستحب فقط .
والـشـافـعـيـة يـقـولـون: إنها شروط باطلة ، ويصح الزواج بدونها .
والأحناف يقولون : إنها شروط ملغاة والعقد صحيح
والراجح في هذه المسألة قول الحنابلة وذلك لقول النبى صلى الله عليه وسلم : " إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج " وقوله صلي الله عليه وسلم : " المسلمون على شروطهم "، وقد روى الأثرم بإسناده : " أن رجلاً تزوج امرأة وشرط لها دارها ، ثم أراد نقلها ، فخاصموه إلى عمر فقال : لها شرطها فقال الرجل : إذا تطليقينا ؟ فقال عمر : مقاطع الحقوق عند الشروط " .
( لمزيد من البحث فى هذه المسألة راجع مايلى : الدر المختار 2/405، تبين الحقائق 2/148 ، فتح القدير 3/107 ، القوانيين الفقهية صفحة 218 ، الشرح الصغير 2/384 ، بداية المجتهد 2/58 ، مغنى المحتاج 3/226 ، المهذب 2/47 ، المغنى جزء 7 صفحة 448 مسألة 5323 وما بعدها ، كشف القناع 5/98 وما بعدها الفقه الإسلامى وأدلته جزء 7 صفحة 65 ) .
هل شرط العصمه بيد المرأة من الشروط الصحيحة أم الفاسدة ؟
ذهب الأحناف إلى أن المرأة لو اشترطت أن تكون أمرها بيدها بحيث تطلق نفسها متى شاءت يعتبر من الشروط الصحيحة واجية الوفاء .
فى حين ذهب جمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة إلي اعتبار هذا الشرط من الشروط الفاسدة التى لا يجب الوفاء بها ، ولكن اختلفوا فى صحة العقد فذهب الشافعية والحنابلة إلى صحة العقد وبطلان الشرط ، فى حين ذهبت المالكية إلى بطلان العقد ووجوب فسخه ما لم يدخل الرجل بالمرأة ، فإن دخل بها مضى العقد وألغى الشرط ، وبطل المسمى ، ووجوب للمرأة مهر المثل إلا إنهم قد استثنوا من ذلك إن علق الرجل أمر الطلاق بيد المرأة على سبب يفعله الرجل ، فقالوا إنه يلزم الرجل ، مثل أن يشرط لها أنه متى ضربها أو سافر عنها ، فأمرها بيدها أو بيد أبيها وهكذا .
هل تفويض المرأة فى طلاق نفسها مثل اشتراط العصمة بيدها ؟
هناك خلط واسع عند الناس فى هذه المسألة ، حتى عند من يتصدى للكتابة في هذا المسألة ، فثمة فارق كبير بين المسألتين و كلاهما في باب مختلف من الفقه ، فمسألة تفويض المرأة في طلاق نفسها فى باب التوكيل فى الطلاق ، ومسألة اشتراط العصمة فى يدها كما عبر الفقهاء فى باب شروط النكاح المقترنة بالإيجاب والقبول .
كما إن المسألتين تختلفان فى عدة نقاط منها :-
1. أن تفويض المرأة فى الطلاق أو توكيل الزوج لها فى تطليق نفسها أو تخييرها بين نفسها وزوجها مسألة فقهية معروفة بين العلماء ولا خلاف فى جوازها ، بل هى من المسائل المجمع على جوازها ولم يخالف فيها سوى أهل الظاهر الذين لم يجيزوا للزوج أن يفوض زوجته فى تطليق نفسها أو يوكل غيره فى تطليقها .
والإختلاف الذى حدث بين الفقهاء والأئمة فى مسألة التفويض حدث في مسائل فرعية مثل الصيغ التي يقع بها التفويض ، وهل المعتبر نية الزوجة أم نية الزوج ؟ ، وهل التفويض مطلق أم مقيد ؟ وهل على الفورأم على التراخى ؟والأثار المترتبة على رجوع الزوج فى تفويضه ؟ وهى مسائل كثيرة محلها كتب الفقه ( راجع منها إن شئت الدر المختار 2/653 ، البدائع 3/113 ، الشرح الصغير 2/593، المقدمات الممهدات 1/587، مغنى المحتاج 3/285 ، المهذب 2/80 ، كشف القناع 5/268 ، المغنى 7/288 مسأله 5879، القرطبى جزء 14 صفحة 156، فقه السنه 2/382 الفقة وأدلته7/397 ، الفقه على المذاهب الأربعة 4/354 ) .
فى حين أن مسألة العصمة أو أمرك بيدك هذه محل خلاف بين الفقهاء ولم يقل بجوازها سوى الأحناف وحدهم فى حين ذهب الجمهور لعدم جوازها وبطلان اشتراطها ، بل وبطلان العقد بها عند المالكية .
2. أن تفويض المرأة فى الطلاق يكون بعد إبرام عقد النكاح والدخول بالمرأة وأما مسألة العصمة فتكون مشترطة قبل عقد النكاح أو أثناء مباشرته ، وقد اشترط الأحناف الذين أجازوا هذه المسألة أن تكون الزوجة هى البادئة بالإيجاب فتقول للرجل " زوجت نفسى منك على أن يكون أمرى بيدى أطلق نفسى كلما أريد " فيقول لها : قبلت فبهذا القبول يتم الزواج ويمض الشرط ، ولو انعكس الأمر يقول الأحناف يتم الزواج ويبطل الشرط .
والخلاصة أن مسألة التفويض أو التوكيل من الرجل لزوجته فى تطليق نفسها جائزة بإجماع العلماء عدا الظاهرية ، مثل سائر العقود التى يجوز فيها التوكيل والتفويض للغير ، فى حين أن جعل العصمة فى يد المرأة كشرط للزواج لم يقل بها سوى الأحناف وبضوابط معينة في حين رفضها الجمهور لمخالفتها للآيات والأحاديث ، .
ملاحظة هامة:-
وهى المتعلقة بالفهم الخاطئ عند كثير من الناس في مسألة اشتراط العصمة للمرأة ، وهو ظنهم أن فى كلا المسألتين يفقد الرجل الحق فى الطلاق المرأة إن أراد ومتى شاء ، وهذا خطأ فادح يقع فيه الكثيرون ، فلا التفويض أو العصمة تسلب الرجل حقه فى الطلاق ، بل يظل هذا الحق ثابتاً له أبداً .
سأل الشيخ ابن باز رحمه الله عن امرأه اشترطت قبل عقد الزواج على الخاطب أن لا يطلقها وقبل الزواج هذا الشرط ، فهل هذا الشرط صحيح أم لا؟ وهل يحق للمرأة أن تشترط أن تكون عقدة النكاح بيدها ؟
فأجاب رحمه الله : هذا الشرط ليس صحيح ، له أن يطلقها متى شاء ، الصواب لا يجوز شرط الطلاق بيدها ، ولا شرط أنه لا يطلقها إذا دعت الحاجة إلى طلاقها ، لأن هذا الشرط غير صحيح ( الموسوعة البازية فى المسائل النسائية 2/713 سؤال 690).
وقد سألت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية الإفتاء عن جواز أن تكون العصمة بيد المرأة بحيث تطلق زوجها ؟ فأجابت ( الأصل أن الطلاق بيد الزوج ومن يفوض إلى ذلك من طرق الزوج ، هذا إذا كان الزوج أهلاً لصدور الطلاق منه ، وأما إذا لم يكن أهلاً فأن وليه يقوم مقامه ، وإذا فوض الزوج إلى زوجته ان تطلق نفسها منه فلها أن تطلق نفسها منه مالم يفسح الوكالة ، وأما جعل الزوج العصمة بيد الزوجة بشرط فى العقد متى شاءت طلقت نفسها فهذا الشرط باطل ، لكونه يخالف مقتضى العقد وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم " كل شرط ليس فى كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط ".
فتاوى اللجنة الدائمة جزء 20 صفحة 10 سؤال 5245.
اشتراط العصمة قبل الإسلام :-
• كان العرب في الجاهلية يعرفون مسألة اشتراط العصمة بيد المرأة ولكن بصور مختلفة ، فبعض العشائر كانت النساء فيها تعاشر العديد من الرجال على الشيوع ، فإذا جاء أحدهم ووجد نعل رجل آخر على باب خيمتها رجع ، وهل تعطى هذه الصورة إشارة إلى إحتقار المرأة للرجل فتخلعه كما تخلع النعل من رجليها ؟ و مثل هؤلاء الرجال النين يتنابون على امرأة واحدة أحط وأحقر من النعال .
• وأخذت تللك العادة تتقلص حتى بقى للمرأة حق تطليق زوجها حتى لو كان زوجاً واحداً وكان المتبع فيه عند البدو أن توجه المرأة باب خيمتها وجهة غير الوجهة الأولى ، فإن كان إلى الشرق مثلاً حولته إلى الغرب ، فإذا عاد الرجل من سفراً و نحه ورأى ذلك علم أن زوجته قد طلقته ، فيذهب إلى أهله ، وهذا فى البدوية ، أما الحضرية فكانت لا تعد طعامه مثلما فعلت عائكة بنت مرة السلمية وفاطمة بنت الخرشب الأنمارية ،والسواد بنت الغنرية ، مارية بنت الجعيد وغيرهن من نساء العرب .
وكانت بعض نساء العرب الشهيرات بالنسب والسؤدد يشترطن عند الزواج أن يكون أمرها بيدها ، مثل سلمى بنت عمرو النجارية ، وهى أم عبد المطلب بن هاشم جد النبى صلى الله عليه وسلم ، وقد تزوجها أحيحة بن الجلاح وعزم ذات مرة على الإغارة على قومها فتسللت من البيت وأخبرت أهلها ثم طلقت نفسها منه .
اشتراط العصمة بين المؤيدين والرافضين :-
• قضية اشتراط العصمة لم تكن معروفة بين المجتمعات العربية والإسلامية إلى وقت قريب فلقد كانت من القضايا النادرة المهجورة ، وتناولها الإعلامي كان على سبيل التندر والاستهزاء بالرجال الذين يوافقون على هذا الشرط ، فالقضية كما قلنا محل خلاف بين الفقهاء والجمهور والراجح على عدم جوازها ، ولم يقل بها إلا الأحناف وبضوابط معينة كما سبق وأن ذكرنا .
• ولكن مع تسارع وتيرة التغريب فى العالم الإسلامى وخاصة بعد توقيع معظم الدول الإسلامية على اتفاقية السيداو – القضاء على كافة أشكال التميز ضد المرأة – أخذت قضية اشتراط العصمة تأخذ شكل الظاهرة المتنامية يوماً بعد يوم ، فقد كشفت دراسة صدرت سنة 2006 عن مركز الدراسات والبحوث الاجتماعية والجنائية من واقع سجلات مأذونى مصر ( موثقى عقود الزواج ) أن عدد السيدات المتزوجات اللاتى حصلن على العصمة بلغ خمسين ألف امرأة ، منها 16 ألف حالة فى الأعوام الثلاثة الأخيرة ، وكان ذلك بمثابة جرس إنذار للمجتمعات الإسلامية ، ولكن الإحصائية التى صدرت عن نفس المركز عن سنة 2009 قد حملت مفاجأة من العيار الثقيل إذ قفز الرقم إلى مائة ألف حالة ، أى تضاعف العدد خلال ثلاث سنوات فقط ، وهذا وإن يدل فيدل على وجود تيار قوى جديد داخل المجتمعات العربية والإسلامية يدفع بإتجاه التمكين للمرأة بالمنظر الغربى ، لذلك كان لابد من دراسة الظاهرة واثارها الإجتماعية والنفسية وأراء المؤيدين والمعارضين لهذه الظاهرة .
أولاً : آراء المؤيدين:-
• من الطبيعى أن يكون الجانب المؤيد لشيوع مثل هذه الظواهر من ذوى الإتجاه العلمانى أو المتأثر بالدعايات المكثفة التى تبثها الهيئات والمؤسسات والوكالات الغربية ليل نهار بالبلاد الإسلامية ، ومن بعض المنتسبين إلى العلم من الهيئات الدينية الإسلامية التي تتأثر آراؤهم عادة بالتوجه الرسمي للبلاد ، وأراء المؤيدين تتركز على الدفاع عن حق المرأة فى مواجهة تعسف الرجال فى إستخدام حق الطلاق واللعب به وقت ما شاء .
• تقول الدكتورة عزة كريم الخبيرة فى المركز القومى للبحوث الإجتماعية وهى من أنصار إعطاء هذا الحق للمراة : إن هذا نظام شرعه الله وله مبرراته القوية ! وهذا يحدث فيما إذا كانت المرأة أكثر نفوذاً أو ثراءً من الرجل وتخشى من مساومة زوجها مقابل حصولها على الطلاق فى حالة حدوثه فتسعى لتأمين نفسها ، لأن معظم الرجال يبتهزون المرأة التى تجد نفسها غالباً مضطرة للتنازل عن جميع حقوقها المادية عند طلب الطلاق .
• ومن جانبها ترى الدكتورة نادية عبد العليم الخبيرة فى نفس المركز أن الثقافة المتدنية التى ينظر بها علماء الدين للمرأة بإعتبارها كائناً ادنى من الرجل هى المتسبب فى هذا الوضع – طبعاً هذا محض إفتراء - وتطالب النساء بالتمسك بحقهن فى العصمة باعتباره ليس فقط حقاً قانونياً وشرعياً ولكنه حق إنسانى عندما تستحيل الحياة بين الزوجين ، وأشارت الدكتورة فى نفس الوقت لطول الإجراءات القانونية اللازمة لبحث قضايا الطلاق والآثار السيئة المترتبة على ذلك على نفسية المرأة ووضعها الإجتماعى ، ولذلك فهى ترى أن العصمة بيد المرأة حلاً لكل هذه المشاكل فى حين تشير المحامية فاطمة عبد الحافظ وهى من المؤيدين أيضاً إلى أن فشل قانون الخلع الذى تم تشريعه مؤخراُ بمصر وغيرها من الدول العربية في حل الكثير من مشكلات الزوجة ، وجعل العصمة بيد الزوجة أفضل بكثير منه ، ولا تجعل المرأة تحت رحمة أهواء زوج يريد إمساكها رغماً عن إرادتها ، وترحمها من ساحات المحاكم وإهدار إنسانيتها .
• ومن خلال إستعراض أراء المؤيدين نجد الأثر العلمانى الظاهر فى آرائهم و أن هذه الآراء قد بنيت على ردود أفعال أزواج غير مسئولين أو متعسفين فى أستخدام حقوقهم مما دفعهم لتبنى مثل هذه الآراء .
ثانياً : آراء المعارضين
* وهى الشريحة الأكبر من مجتمعاتنا العربية والإسلامية ، ولا تشمل علماء الفقه أو حتى ذوى الإتجاهات الإسلامية من الكتب والمفكرين وغيرهم فحسب ، ولكن تشمل وبصورة واسعة علماء الإجتماع والنفس والصحة النفسية ، ومعظم الباحثين فى شئون الأسرة ، والتربويون والمتخصصون في مجال الطفل ، والذين رأوا أن هذه الظاهرة لها آثار خطيرة ومدمرة علي الصحة النفسية والمجتمعات الأسرية في البلاد الإسلامية ، وهذه طائفة من آرائهم :
* يقول الدكتور أحمد المجدوب من كبار علماء الإجتماع معلقاً على الإحصائية الأخيرة لحالات العصمة : هذه الإحصائية تعكس التغيرات الإجتماعية التى يمر بها المجتمع و التي لها انعكاساتها على الأسرة والمجتمع لأن القوامة للرجل فى الإسلام ، وجعلها فى يد المرأة يجعله يشعر بالصغر فى نفسه وعدم المسئولية أيضاً عن استمرار الحياة الزوجية ، ولا يحترم نفسه ، كذلك إحساس المرآه نحو زوجها يختلف تماماً عن نظيرتها التى ليست لديها العصمة ، ونظرة المجتمع لهذا الرجل تشوبها كثيراً من الريب والأتهام بانه صاحب أطماع وباحث عن الأموال لأنه ما وافق على التنازل عن العصمة إلا مقابل شئ معين ومصلحة خاصة ، ويؤيد هذا الكلام دفاتر موثقى عقود الزواج الذين كشفوا أن الغالبية العظمى من النساء اللاتى يحتفظن بحق العصمة من شرائح إجتماعية معينة من الأغنياء أو أصحاب النفوذ أو كبار السن أو المشهورات ، والمجتمع ينظر عادة نظرة سخرية واستهجان للرجل الذى يتنازل عن العصمة لأنه ليس رجلاً بمعنى الكلمة ويطلقون عليه في العرف الشعبي ( زوج الست ) ، ويؤيد هذا الراى الدكتورة سلوى نصار أستاذة علم الإجتماع بجامعة القاهرة التي تصف هذه الظاهرة بالخطيرة والمدمرة للأسرة المسلمة .
* في حين يرى الدكتور " حامد زهران " أستاذ الصحة النفسية بكلية التربية جامعة عين شمس أن وجود العصمة بيد الرجل يجعلة حصناً للمرأة ، وأنعكاس الحال يؤدى لزواج معوج من الناحية النفسية وذلك نتيجة لوجود عيوب فى التركيبة النفسية للزوج ويؤيد هذا الكلام الدكتور " جاد مخلوف " بجامعة الأزهر والذى يعتبر إعطاء المرأة العصمة بمثابة انتكاس فى الفطرة السوية ولا يقدم على الرجل إلا لمصلحة شخصية وهو عادة لا ينوى بهذا الزواج عشرة طيبة ولا إقامة بيت مسلم ، وإنما أراد حاجة خاصة قضاها بهذا التنازل .
* أما عن راى القانون فيقول الدكتور ( جمال الدين محمود ) رئيس محكمة النقض سابقاً أن رقم الإحصائية ليس مخيفاً مقارنة بملايين الحالات الأخرى ، ولكن الذى يثير الخشية أن تكون المرأة التى بيدها العصمة متسرعة فى استخدام هذا الحق لأقل خلاف أو غفوة من الزوج .
* فى حين يشير الشيخ " فرحات السعيد " عضو هيئة الإفتاء السابق والعضو في مجمع البحوث الإسلامية لمسألة أخرى في هذه الإحصائية إذا يقول : لا أعتقد أن هناك زواجاً دام واستمر وآتى ثماره كما أراد الله على هذه الصورة التى تعطى العصمة بيد الزوجة ، لأن الزوجة فى هذه الحالة تفترض ان العشرة لن تدوم مع هذا الرجل ، ولذلك رات أن يكون حق التطليق بيدها رغم أن عقد الزواج على التأييد وليس التأقيت .
* أما الدكتور إبراهيم جبر المتخصص فى الدراسات التربوية فيرى أن قضية العصمة تثار من جانب أناس يعادون الشريعة ولكنهم يتمسحون في بعض جزئياتها ، والعلمانيون يستخدمون هذه القضية لبذر الشقاق وهدم الثقة داخل الأسرة المسلمة ، ويقول إن مجتمعاتنا ترفض مثل هذه الظواهر جملة وتفصيلاً .
وخلاصة هذا البحث السريع فى عدة نقاط
1) إن الإسلام قد جعل العصمة بيد الرجل لأسباب شرعية ونفسية واجتماعية ، وهو الأصل في عقد الزواج .
2) إن إعطاء الرجل هذا الحق ليس تمييزا ضد المرأة أو تحيزا ضدها كما يروج لذلك أعداء الأمة علي اختلاف توجهاتهم .
3) مسألة اشتراط العصمة محل خلاف بين الفقهاء وأهل العلم ، ولم يقل بها سوي الأحناف وبضوابط معينة ، والجمهور علي خلاف ذلك من عدم جواز اشتراط هذا الشرط .
4) أن بعض العلماء مثل المالكية قد أبطلوا عقد الزواج الذي تشترط فيه المرأة العصمة بيدها ، في حين أبطل الشافعية والحنابلة الشرط وصححوا العقد .
5)أن قضية اشتراط العصمة تختلف فقهياً تماماً عن مسألة التفويض أو التوكيل فى الطلاق .
6) إن المؤيدين لاشتراط العصمة بنوا رأيهم على حالات فردية تعسف فيها الرجل فى استعمال حقه ضد المرأة ، ومعظمهم من العلمانيين والمتأثرين بهم .
7) إن اشتراط العصمة له آثار خطيرة على المستوى الإجتماعى والأسرى والنفسى ويهدد إستقرار الأسرة المسلمة ويؤدى لخلل نفسى كبير دلخل المجتمعات الإسلامية .
المصادر والمراجع
أولاُ : الفقه الحنفى
1. الدر المختار ورد المحتار
2. بدائع الصنائع
3. فتح القدير
4. تبيين الحقائق
ثانياً : الفقه الملكى
1. القوانيين الفقهية .
2. الشرح الصغير
3. المقدمات الممهدات
4. المنتقى
ثالثاً : الفقه الشافعى
1. مغنى المحتاج
2. المهذب
3. تحفة المحتاج
4. روضة الطالبين
رابعاً : الفقه الحنبلى
1. المغنى
2. شرح منتهى الإرادات
3. كشاف القناع
4. الإنصاف
خامساً : الفقه المقارن
1. الفقه الإسلامى وأدلته
2. الفقه على المذاهب الأربعه
3. فقه السنة
4. فتوى اللجنة الدائمة
5. بداية المجتهد
سادسا :كتب عامة
موسوعه الأسرة تحت رعاية الإسلام
الموسوعة البازية في المسائل النسائية
- سمية المدنيةمقال قوي وشامل ومادته العلمية كثيفة ولكن سهلة وقريبة من القارئ ، شكرا للكاتب والموقع


