الدراسات والبحوث
المرأة وحقوقها المعنوية 1/2
شريف عبد العزيز
ملخص المادة( المادة كاملة في المرفقات )

من الحقوق التي يغفل أو يتغافل عنها كثير من الناس ، الحقوق المعنوية للمرآة والتي تراعي مشاعر المرآة وحاجاتها النفسية والقلبية ، وهي الحاجات التي بغيابها تهدم كثير من البيوت العامرة ، ففي آخر الإحصائيات الصادرة عن العديد من المراكز الاجتماعية والبحثية في العالم العربي أن زيادة عن 60% من حالات الطلاق التي وقعت في منطقة الخليج العربي في سنة 2008 كانت بسبب غياب تلك الحقوق ، وضياع التفاهم والمحبة بين الأزواج والزوجات ، في حين ارتفعت النسبة لتصل 72% في مصر سنة 2009 لنفس الأسباب ، في حين كشفت أحدث الإحصائيات الصادرة من مؤسسة صندوق الزواج في أبي ظبي أن 76% من المطلقات تحت الأربعين سنة ، وأن 50% من حالات الطلاق ترجع لسوء العشرة وغياب الحقوق المعنوية ، والعقود الشرعية وإن كانت قد ركزت علي الحقوق المادية للمرآة والتي تنحصر في ثلاثة أو أربعة حقوق ، وتشددت فيها إلا أن لم تعرض بصورة واسعة للحقوق المعنوية والتي تحتاجها المرآة أكثر بكثير من حاجتها للحقوق المادية ، ولو قارنا يبن الحقوق المادية التي كفلها الإسلام للمرآة وحقوقها المعنوية التي كفلها أيضا لرأينا فارقا شاسعا بين الحقين يتمثل في عدة أمور منها :
1. أن الحقوق المادية تنحصر فى ثلاثة أو أربعة حقوق على الأكثر، تدور فى فلك ضرورة الحفاظ على الحياة، وقوام البدن، فى حين أن الحقوق المعنوية كثيرة ومتشبعة، لو أعطيناها حقها ما وسعنا مقام هذا البحث الصغير.
2. أن الحقوق المادية كلها يلتزم بأدائها الرجل وحده دون المرأة، التى لا تلتزم إلا بالحقوق الزوجية فقط، فى حين أن الحقوق المعنوية أو الأدبية مخاطب بها كل من الرجل والمرأة على السواء؛ لأن هذه الحقوق تقوم فى الأساس على المودة والسكن والرحمة ، والإحترام والتقدير، هى حاجات لازمة للرجل والمرأة سواءً بسواء، وإن كانت حاجة المرأة أكثر قليلاً من حاجة الرجل فى هذه الحقوق .
وللتدليل على ذلك نجد أن الرسول صلي الله عليه وسلم  يبعث بوصايا غالية متكافئة لكل من الطرفين، للرجل والمرأة، فيقول للرجال : " خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلى "صحيح الجامع 3314 ،وقال :"خيركم خيركم للنساء"صحيح الجامع 3316، وقال :"استوصوا بالنساء خيراً...."البخاري ومسلم في كتاب الحج
وقال للنساء :" خير النساء من تسرك إذا أبصرت، وتطيعك إذا أمرت، وتحفظ غيبتك فى نفسها ومالك"صحيح الجامع 3329، وقال :" إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها دخلت الجنة" صحيح الجامع 661 ،وقال :"لا تؤدى المرأة حق ربها حتى تؤدى حق زوجها"ابن ماجه في كتاب النكاح ، وهكذا نرى أن كلاًمن الرجل والمرأة يتمتعان بهذه الحقوق المعنوية .
3. أن الحقوق المادية ملزمة للرجل شرعاً وقضاءً، لأنها من التزامات أداء العقد، والمسلمون عند شروطهم؛ فالرجل إذا قصر فى أدائها هو إما  يلزم بها، أو يؤمر بالطلاق للضرر ، أما الحقوق المعنوية  ؛ فقد ربطها الإسلام مباشرة بالإيمان وحسن الخلق، والخيرية كما مر بنا فى الأحاديث السابقة، وهى بذلك تكون مسألة إيمانية متعلقة بصلاح الرجل وتقواه،بل هى فى الواقع معيار قياس الإيمان الحقيقى التطبيقى ، وليس الإيمان النظرى الذى يستوى فيه الكثيرون .
وجماع الحقوق المعنوية أو الأدبية التى كفلها الإسلام للمرأة المسلمة فى مجال الأسرة ، مستنبطة من قوله عز وجل – والذى يعتبر هو الأصل والأساس فى الحياة الزوجية – قوله تعالى : ( وعاشروهن بالمعروف) ( النساء :19) ، فالمعاشرة بالمعروف هى عماد قيام البيوت ، ودعامة بقائها ، وسر  قوتها .
وفى تفسير هذه الآية يقول العلامة ابن كثير: كان من أخلاقه صلي الله عليه وسلم انه جميل المعاشرة ، دائم البشر ، يداعب أهله ، ويتلطف بهم ، ويسعهم نفقة ، ويضاحك نساءه... ويجمع نساءه كل ليله فى بيت التى يبيت عندها، فيأكل معهن العشاء فى بعض الأحيان، ثم تنصرف كل واحدة إلى حجرتها، وكان ينام مع المرأة من نسائه فى شعار واحد ، يضع على كتفه الرداء، وينام بالإزار، وكان إذا صلى العشاء يدخل منزله يسمر مع أهله قليلاً قبل أن ينام: يؤانسهم بذلك ، وقد قال تعالى : ( لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة ) * ( الأحزاب: 21).
ولو قبلت بصرك وبصيرتك فى هذه الآية، وتطبيقاتها الواقعية فى الحياة الزوجية لسيد الخلق نبينا محمد  صلي الله عليه وسلم ، لعلمت أن هذه الآية هى ملاك الحقوق المعنوية كلها وأساسها وأصلها ، ويكفى أن الله عز وجل قد شبه المعاشرة والمعايشة للزوجة بنفس ما شبه ووصف به القيام على الوالدين ، فقال الله عز وجل فى حق الوالدين: ( وصاحبهما فى الدنيا معروفاً ) (لقمان:15)، وقال فى حق الزوجة: ( وعاشروهن بالمعروف ) ( النساء :19)، وبالتالى سيكون الكلام عن الحقوق المعنوية للمرآة صوراً تطبيقية للمعاشرة بالمعروف :
أولاً: حق المحبة :
إن من فطرة الله عز وجل، التى فطر الناس عليها ميل الرجل إلى المرأة، ورغبته فى صحبتها، وسكنه إليها ، وكذلك ميل المرأة إلى الرجل،ورغبتها فى صحبته، و|إتخاذه سنداً لها ، وقد وضع الله عز وجل هذه المحبة فى إطارها الشرعى القويم وهو الزواج، لذلك قال الرسول صلي الله عليه وسلم " لم ير للمتحابين مثل النكاح " ابن ماجه والحاكم وصححه الألباني  ، فالحب المتبادل بين الرجل والمرأة شعور راقي ، ينبع من أصل فطرى خلقه الله فى أعماق الإنسان، وليس شيئاً يترفع عنه، أو يستنكف منه ، بل هو عكس ذلك، فهو حق ثابت للرجل والمرأة على حدِّ سواء، يقذفه الله فى قلب من شاء من عباده، كما قال رسول الله صلي الله عليه وسلم  في  حبيبته خديجة – رضى الله عنها - : " إنى رزقت حبها " أخرجه مسلم في كتاب الفضائل . 
وحاجة المرآة للمحبة أكثر من الرجل ، فهى تريد أن تشعر من زوجها أنه قد بذل الغالي  والنفيس من أجلها ، وتكلف المشاق من أجل الفوز بها ، وتقديراً لحبها ، فالمرأة عادة لا تريد من زوجها  الحب الذي هو فورة عاطفية سرعان ما تخبو، بل تريد الحب العميق الراسخ المتجذر، الذى يرى آثاره وانعكاساته على واقع الحياة، ويستمر حتى بعد الرحيل ، قال تعالى : ( ومن ءاياته أن خلق لكم من أنفسكم أزوجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة )(الروم:21)، فالمودة والرحمة هى المحبة، والرحمة هى الرأفة والشفقة*.
وشواهد حياة الرسول صلي الله عليه وسلم أكبر دليل على أهمية حاجة المرأة للمحبة، والأحاديث الصحيحة المتواترة لمحبته لخديجة وعائشة – رضى الله عنها- ، وسائر زوجاته معلومة للجميع، ويكفى أن نساءه صلى الله عليه وسلم جميعاً لما نزلت آية التخيير ( الأحزاب:29،28)، كلهن اخترته حباً في  صحبته ، رغم شظف العيش، وقبول الترمل الدائم من بعده، وذلك اعتزازًا بحبه صلي الله عليه وسلم .
والرسول صلي الله عليه وسلم يرشد أصحابه إلى السبيل القويم ، والطريق الصحيح فى دوام المحبة والمودة، وإزالة كل أسباب النفرة والوحشة، لأن الحب هو قوام البيت وأساسه؛ وهو حق ثابت ولازم لأية امراة.
ومن أمثلة دروس النبى وإرشاداته في  هذا الحق ما يلي  :
(1) قيام الزوج بإطعام زوجته بيده، وتحرى ما يسعدها ويزيد محبتها أثناء الطعام ، وفى الحديث : " وإنك مهما أنفقت من نفقة فإنها صدقة، حتى اللقمة ترفعها إلى فم امرأتك"البخاري ومسلم .
وعن عائشة – رضى الله عنها – قالت : كان رسول الله  يدعوني  فأكل معه وأنا عارك – يعنى حائض – وكن يأخذ العرق قيقسم علىََّ فيه، فآخذه فأتعرق منه ، ويضع فمه حيث وضعت فمى من العرق، ويدعو بالشرب فيقسم علىَّ فيه، قبل أن يشرب منه، فآخذه منه فأشرب منه، ثم أضعه ، فيأخذه فيشرب منه، ويضع فمه حيث وضعت فمى على القدح مسلم في الحيض وأبو داود والنسائي في الطهارة .
(2) الرسول صلي الله عليه وسلم  يأمر الأزواج بالتمهل فى دخول المدينة عند القدوم من السفر، حتى تتهيأ النساء للاستقبال ، ويكنَّ فى أبهى صورة تزيد من المحبة والاشتياق، فعن جابر بن عبد الله رضى الله عنه قال : قفلنا مع النبى  صلي الله عليه وسلم من غزوة، فلما ذهبنا لندخل، قال : أمهلوا حتى تدخلوا ليلاً – أى عشاءً – لكى تمتشط الشعثة، وتستحد المغيبة" البخاري في النكاح ومسلم في الإمارة.
(3) يأذن  صلي الله عليه وسلم للرجال بالتخلف عن مشاهد عظيمة مثل الجهاد فى سبيل الله من أجل حاجة النساء لبقاء أزواجهن معهن ، فعن ابن عباس – رضى الله عنه – قال رجل : يا رسول الله إني  أريد  أن أخرج فى جيش كذا وكذا، وامرأتى تريد الحج، فقال : " اخرج معها" البخاري ومسلم وكلاهما في الحج ،  وعن عمر – رضى الله عنه- قال تغيب عثمان – رضى الله عنه – عن بدر، فإنه كان تحته بنت رسول الله " رقية " وكانت مريضة فقال النبى صلي الله عليه وسلم  " إن لك أجر رجل ممن شهد بدراً وسهمه"البخاري في فرض الخمس.
(4) يرشد الأزواج لموافقة هوى الزوجة إذا أرادت شيئاً ، ولم يكن محرماً أو مكروهاً – لأن النساء تقيس مكانتها ومحبتها فى قلب زوجها باستجابته لهذه المطالب – فعن عائشة رضى الله عنها قالت : دعانى رسول الله والحبشة يلعبون بحرابهم فى المسجد فى يوم عيد، فقال لى " يا حميراء أتحبين أن تنظرى إليهم "؟ فقلت نعم ، فأقامنى وراءه ، فطأطأ لى منكبيه لأنظر إليهم ، فوضعت ذقنى على عاتقه ، وأسندت وجهى إلى خده ، فنظرت من فوق منكبيه وهو يقول :" دونكم يا بنى أرفدة" فجعل يقول " يا عائشة ما شبعت؟" فأقول : لا لأنظر منزلتى عنده البخاري في المساجد ، ومسلم في العيدين .
وحادثة أخرى مع السيدة عائشة – رضى الله عنها فى حجة الوداع: عندما جاءت تبكى بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول : يا رسول الله يرجع الناس بعمرة وحجة ، وأرجع أنا بحجة !، فقال : وما طفت ليالى قدمنا مكة ؟" قلت : لا ، قال : " فاذهبى مع أخيك إلى  التنعيم فأهلى بعمرة"البخاري كتاب الحج .
فيقول جابر بن عبد الله رضى الله عنه – راوى منسك الحج فى الصحاح والسنن – معلقاً على هذه الحادثة : وكان رسول الله  صلي الله عليه وسلم رجلاً سهلاً إذا هوبت الشئ تابعها عليه*.
فالحب عاطفة إنسانية بين الرجل والمرأة تحمل كل معانى التآلف والانسجام والتقدير والحنان، هذا مع الاستعداد للتضامن فى مسيرة الحياة بحلوها ومرها ، وهذه المحبة لا تكون إلا بعد صلة وثيقة ، ورابطة قوية طاهرة، محاطة بضمانات الشرع والحس، وهى رابطة الزواج.
وينبغى أن يتكلف التحبب إلى الآخر بأكثر مما يجده له فى قلبه، فإن التطبع يصير طبعاً ، ومع غلظ تحريم الكذب، وتشديد الشرع فيه ، أباح الشارع للرجل أن يكذب على امراته، ويبالغ فى حبها ،  ليدخل السرور والفرحة على قلبها، فعن أم كلثوم بنت عقبة رضى الله عنها قالت : سمعت رسول الله يقول : " ليس الكذب الذى يصلح بين الناس فينمى خيرًا، أو يقول خيرًا" ثم قالت : ولم أسمعه يرخص فى شئ مما يقول الناس إلا فى ثلاث : يعنى الحرب ، والإصلاح بين الناس ،  وحديث الرجل وامرأته ، والمرأة وزوجها " أخرجه البخاري في الصلح ومسلم في البر والصلة  ، وفى رواية الترمذى زيادة توضيحية وفيها : " والرجل يكذب للمرأة ليرضيها بذلك "
 وصدقت الشاعرة علية بنت الخليفة المهدي العباسي  إذا قالت :
 تحبب فإن الحب داعية الحب.
ثم انظر كيف يقدر الإسلام حق المحبة المكفول للمرأة بصورة قد تصل لفصم عرى رابطة الزواج، التى هى من أوثق الروابط والعرى ، إذا كرهت المرأة زوجها ، وغاب عنها حق المحبة ، ولم تشعر به مع زوجها، فقد شرع الله عز وجل الخلع لإنهاء الحياة الزوجية التى غاب عنها الحب ، فعن ابن عباس رضى الله عنهما قال: جائت امرأة ثابت بن قيس بن شماس إلى النبي صلي الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ما أنقم على ثابت فى دين ولا خلق إلا أنى أخاف الكفر – تقصد كفران العشير ، والتقصير فى حق الزوج – فقال رسول الله : " فتردين عليه حديقته" فقالت : نعم ، فردت عليه، وأمره ففارقها" البخاري في كتاب الخلع ، وهذا من عدل الإسلام ، ومساواته العظيمة بين الرجل والمرأة ، كما يقول ابن رشد : لما جعل الطلاق بيد الرجل إذا فرك – أى أبغض – المراة ، جعل الخلع بيد المرأة إذا فركت – أى كرهت – أى أبغضت الرجل*.
ثانياً : حق الرحمة:
كما قررنا الحق الأول للمرأة وهو حق المحبة من خلال قوله عز وجل : ( ومن آياته  أن خلق لكم من أنفسكم أزوجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ) (الروم :21)، فالمودة هى المحبة ، والرحمة هى الحق الثانى المقرر للمرأة على الرجل فى محيط الأسرة ، فالرجل لابد أن يكون رحيماً بأهله وعياله، وإنما جعلت له القوامة فى الأصل للقيام بهذه الواجبات الكبيرة ، وعلى رأسها حق الرحمة ، والتى لها صور عديدة تنعكس من خلالها معانى حق الرحمة المكفولة على الرجل فى الإسلام ، من هذه الصور :
1. أولى صور حق الرحمة للمرأة على الرجل أن يقوم الزوج بتعليم زوجته أصول دينها وشريعتها ، وتأدية حقوق ربها، وهو بذلك يرحمها بأن يقيها من النار ، قال تعالى : ( يأيها الذين ءامنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة )( التحريم :6).
قال على رضى الله عنه فى تفسيرالآية : " يعنى أدبوهم وعلموهم " ، وقال ابن عباس : اعملوا لطاعة الله واتقوا معاصى الله ، ومروا أهليكم بالذكر ينجكم الله من النار، قال الضحاك: حق المسلم أن يعلم أهله من قرابته ما فرض الله عليهم، وما نهاهم الله عنه*.تفسير ابن كثير ج4ص391
وكذلك كانت حياة النبى صلي الله عليه وسلم مع نسائه: يخبرن بوقت الصلاة، ووجوب الصيام ، وما يجوز فى حقهن وما لا يجوز ، وفى الحديث أنه صلى الله عليه وسلم إذا أوتر يقول لعائشة: " قومى فأوترى يا عائشة"*أخرجه مسلم في كتاب الوتر.
وكان يقول صلي الله عليه وسلم معلماً الأزواج والزوجات هذا الحق:" رحم الله امرءاً قام من الليل فصلى، فأيقظ أهله، فإن لم تقم رش وجهها بالماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل تصلى وأيقظت زوجها، وإذا لم يقم رشت على وجهه من الماء"*أبو داود والنسائي في قيام الليل ، وفي صحيح الجامع 3494.
2. من صور حق الرحمة أيضاً للمرأة على الرجل، أن يساعدها فى ترتيب شئون البيت وإصلاحه، كما كان يفعل سيد ولد آدم أجمعين مع نسائه فى بيوتهن، فعن الأسود قال : سألت عائشة – رضى الله عنها- : ما كان يصنع النبي  صلي الله عليه وسلم في أهله؟ فقالت : كان فى خدمة أهله؛ فإذا حضرت الصلاة قام إلى الصلاة* البخاري في الصلة والأدب، وقال في رواية أخرى: " مايصنع أحدكم فى بيته: يخصف النعل، ويرقع الثوب، ويخيط*" البخاري وأحمد وابن حبان ، وقالت أيضاً فى رواية ثالثة: كان بشراً من البشر، يفلى ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه. البخاري وأحمد والترمذي وابن حبان
وصحابته الأطهار رضى الله عنهم اقتدوا به، وسارعوا على نهجه، وكانوا فى معاونة زوجاتهم فى شئون البيت، كما ثبت ذلك عن جماعة منهم: على بن أبى طالب، وجابر بن عبدالله ، والزبير بن العوام، وغيرهم كثير رضى الله عنهم.
ونحن نلفت الانتباه لهذا الحق خصيصاً، لأنه يبدو غريباً على كثير من الناس، للأسف، بفعل الموروثات القديمة باستقباح عمل الرجل فى بيته؛ بحجة أنه عمل النساء وإن هذا الحق ليعظم خصوصاً هذه الأيام التى كثرت فيها الواجبات، وخرجت كثير من النساء للعمل لعدم كفاية المورد، ولغلاء الأسعار، وليقتدى الرجال بالحبيب محمد صلي الله عليه وسلم فى ذلك.
ثم لابد من إزالة الوهم المتأصل فى عقول كل المسلمين تقريباً بخصوص عمل المرأة فى بيت زوجها، ذلك أن جمهور أهل العلم على أن الرجل ملزم بتوفير خادم للمرأة، وعقد البخارى بابين متتاليين فى " صحيحه" هما " عمل المرأة فى بيت زوجها"، وباب" خادم المرأة "، وقال شارحه ابن حجر فى الفتح كلاماً تفصيلياً خلاصته: أن على الزوج مئونة الزوجة كلها، بما فى ذلك الخادم، أما أن تجبر المرأة على شئ من الخدمة فلا أصل له*، باستثناء حضانة الأطفال ورعايتهم.فتح الباري ج9 ص 417
وبالجملة فعمل الرجل فى البيت ومشاركته لزوجته – وإن كان يعد فضيلة من الفضائل للصالحين من الرجال – إلا أنه فى واقع الأمر صورة جلية من صور الرحمة المكفولة للمرأة فى الإسلام.
3. من صور حق الرحمة أيضاً أن يغض الرجل الطرف عن الهفوات والأخطاء التى قد تقع من زوجته، لأنه ما من أحد إلا وله هفوة وزلة، كما قال الرسول صلي الله عليه وسلم  " كل بنى آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون"* صحيح الجامع 4515 ، فعلى الرجل أن يحتمل لحظات غضب زوجته، لأنها إنسان مثل باقى الأناسى، يأتى عليها لحظات وفترات تتعكر فيها الأمزجة، ويشعل الغضب، ويضيق الصدر، وكانت الواحدة من زوجات الرسول تراجعه في  الأمر، ويعلو صوتها فوق صوته، وتهجره إلى الليل، وهو يغض الطرف عنهن صلى الله عليه وسلم.
4. من صور حق الرحمة أيضاً : معالجتها ومدواتها إذا مرضت – وإن طال المرض، وحال دون انتفاعه وتمتعه بها – فذلك من الوفاء والمعاشرة بالمعروف، ومن أجل صور الرحمة ، بل من جميل الرحمة أن يتولى الرجل بنفسه علاج زوجته، والسهر عليها، وتمريضها، وكيف قدر الرسول صلي الله عليه وسلم هذا الأمر فأذن لعثمان بن عفان أن يتخلف عن غزوة بدر من أجل أن يمرض زوجته" رقية " رضى الله عنها. ثم ضرب له سهما في الغنيمة  مثله مثل باقي من اشترك في المعركة
وأخيراً نقول : إن حق الرحمة هذا لا يتخلف أبداً عن المرأة، فحق  المحبة وإن كنا قد قررناه كأصل وحق أول، إلا أنه معرض فى الكثير من الأحيان إلى الفتور والبرود، وعندها فلابد من الحق الثانى وهو حق الرحمة ، فهو الذى لا يزول ، وبه أمان بقية الحقوق، وهو حافظة سائر الحقوق ، فحق الرحمة قد يبقى وحدة بعد ذهاب الحب وخموده، يحمل الأسرة، ويبقى رابطة الزواج، وإن كان مع الحب لطف وتلطف ، فمع الرحمة رفق وترفق بشريك العمر ، ورفيق الكفاح، فما أعظمه  من حق كفله الإسلام للمرأة* .
ثالثاً : حق التقدير:
الرجل والمرأة كلاهما يشتركان فى قيام الأسرة، وكلاهما يتقاسمان المسئولية والحقوق، وكلاهما له الدور المنوط به، وكلاهما على قدم المساواة، فلا فضل للرجل على المرأة والعكس ؛ فكلاهما يحترم الآخر ويقدره، ويحرص على مشاعره، ويلبى رغباته، ونظراً لأن المرأة تتحمل من الأعباء الأسرية داخل البيت  في  واقع الأمر أكثر من الرجل ، ناهيك إذا كانت المرأة عاملة ، فإنها فى الحقيقة تحتاج لهذ الحق أكثر من الرجل، فالمرأة ليست مخلوقاً من الدرجة الثانية، وليست كسقط المتاع فى البيت! لايقدره أحد ، ولا يشعر به أحد ، كلا والله هذا ليس فى دين الإسلام، ولا فى هدى سيد الأنام محمد  صلي الله عليه وسلم  الذي  علم رجال أمته  كيف يقدرون ويحترمون نسائهم، وذلك فى مناسبات شتى، وفى أطر كثيرة كلها تبرز عناية الإسلام بحق المرأة فى التقدير والمكانة، من هذه الصور:
1. أن يستمع إلى حديثها، ويأخذ برأيها، ويحترم وجهة نظرها، ولا يسفه رأيها إذا كان ضعيفاً، ويأخذ به إذا كان صواباً، وهذا هو الرسول صلي الله عليه وسلم يحار ماذا يفعل يوم صلح الحديبية، وقد امتنع الصحابة عن أن ينحروا هديهم، فإذا بأم المؤمنين " أم سلمة " رضى الله عنها – هذه المرأة العاقلة اللبيبة – تشير على الرسول  صلي الله عليه  وسلم بالرأي  الصواب النير: أن يخرج ولا يكلم أحداً منهم بكلمة برأيها؛ حتى ينحر بدنه ويحلق رأسه، وعلى الفور عمل الرسول  صلي الله عليه وسلم برأيها  وكان نعم الرأى والمشورة، حتى ذكرت بعض روايات الحادثة قول الصحابة: فجلى الله عنهم يومئذ بأم سلمة* البخاري في صلح الحديبية .
ولا حجة لمن تمسك بأحاديث مكذوبة وموضوعة بشأن التحقير والأزدراء برأى النساء، مثل: " طاعة النساء ندامة" ضعيف الجامع 3607 " هلكت الرجال حين أطاعت النساء" ضعيف الجامع 6097، والتاريخ يزخر بعقلاء النساء اللاتى أشرن بنعم الرأى على أزوجهن، وعمل هؤلاء الأزواج بهذه المشورة فحققوا ما أرادوا وفازوا.
2. ومن صور التقدير أيضاً، أن يترك كثرة العتاب والملامة ، وتعقب الأمور، فى كل صغيرة وكبيرة، وكثرة التوبيخ والتعنيف على كل شئ ليس من صفات الصالحين، إلا أن يكون التفريط فى حق من حقوق الله عز وجل، وهذا أدب قرآنى نبوى مأخوذ من قوله عز وجل : ( وإذ أسر النبى إلى بعض أزوجه حديثاً فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنباك هذا قال نبأنى العليم الخبير)( التحريم:3).
وعن أنس رضى الله عنه قال : كان صلي الله عليه وسام أحسن الناس خلقاً، ولقد خدمت رسول الله صلي الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال لى قط: أفٍ، ولا قال لشئ فعلته، لم فعلته؟ ولا لشئ لم أفعله: ألا فعلت كذا*،البخاري ومسلم في الأدب ، ثم انظر كيف يتجاوز عن الخطأ العقائدى الكبير الذى وقعت فيه عائشة عندما قالت له: يارسول الله مهما يكتم الناس يعلمه الله، فأجابها الرسول صلي الله عليه وسلم  بمنتهى البساطة : " نعم " مسلم في كتاب الجنائز ، فبرغم أن عائشة من حيث لا تدرى وقعت فى خطأ عقائدى يتعلق بالشك فى علم الله المحيط بكل شئ، واطلاعه على ما فى الصدور، ولكن الرسول صلي الله عليه وسلم عذرها لجهلها، وعلمها أمور دينها بهدوء، وبتقدير لقلة علمها.
ولنا أن نتخيل ماذا لو وقعت مثل هذه الحادثة مع أحد الناس فى هذه الأيام، سوف يثور كالبركان الهادر، ويسب زوجته ويعنفها، وربما يضربها ضرباً شديداً أو حتى يطلقها، وما أبعد هذه  الأفعال، عما قام به الرسول صلي الله عليه وسلم
3. من صور التقدير أيضاً، الحفاظ على مكانتها، واحترامها في الفترات التي  يمكن أن تكون ضعيفة فيها، أو فاقدة لبعض مميزاتها ، كأن تكون حائضاً، وقد مر بنا من قبل كيف كان يأكل ويشرب النبى صلى الله عليه وسلم مع أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها، بل يعينها على ذلك الأمر، فى عدة مواطن، ففى الحديث عن عائشة رضى الله عنها قالت: قال لى رسول الله  : " ناولينى الخمرة – قطعة من الحصير صغيرة – من المسجد"، فقالت إنى حائض، قال : إن حيضتك ليست فى يدك"مسلم وأبو داود والنسائي و الترمذي .
4. من صور التقدير أيضاّ أن يكرمها بما يرضيها ويدخل السرور على قلبها بأن يكرم أهلها وقرابتها، عن طريق الثناء عليهم بحق أمامها، ومبادلتهم الزيارات، وإهدائهم الهدايا، ودعوتهم فى المناسبات، وقريبهم عند الشدائد، وهكذا، فعن عائشة رضى الله عنها قالت: استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة على رسول الله ، فعرف استئذان خديجة – لتشابه الأصوات – فارتاع لذلك – أى انتبه بشدة – فقال : " اللهم هالة...) البخاري في المناقب ، ومسلم في الفضائل  ، وكان رسول الله صلي الله عليه وسلم  يذبح الشاة ويقطعها أعضاء، ثم يبعثها إلى صديقات خديجة، وفاءاً لها وتكريماً لهن " البخاري في المناقب ودخلت عليه يوماً عجوز كبيرة ؛ فأكرمها وأحسن إليها جدَّا، فلما سئل عن سبب ذلك قال: " إنها كانت تأتينا زمن خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان" الحاكم وصححه الألباني .
5. من تقدير الرجل للمرأة أيضاً، أن يكون طلق الوجه بشوشاً، يسلم عليها، كلما دخل أو خرج، ويسألها عن طلباتها وحاجتها، وأن يتكلم بالكلام الطيب والألفاظ الحسنة، التى تشعر المرأة بمكانتها وقدرها؛ فعن جابر بن سليم رضى الله عنه أن رسول الله  قال له : " ولا تحقرن شيئاً من المعروف، وأن تكلم أخاك وأنت منبسط إليه بوجهك؛ فإن ذلك من المعروف"أبو داود وابن حبان ، وروى ابن سعد عن عائشة رضى الله عنها: كان ألين الناس وأقرب الناس وكان رجلاً من رجالكم، إلا أنه كان بساماً.
وعن أنس رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم :" يا بني  إذا دخلت على أهلك فسلم،يكن سلامك بركة عليك وعلى أهل بيتك" الترمذي في الاستئذان ، وعن أبى أسامة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم " ثلاثة كلهم ضامن على الله"، وذكر منهم :" رجل دخل بيته بسلام فهو ضامن على الله"*أبو داود وابن حبان وصحيح الجامع .
وللكلمة الطيبة أروع الأثر فى نفس سامعها، وهى فى بعض الأحيان أغلى من الحلى الثمينة،والهدايا الفاخرة، ذلك لأن الكلمة الطيبة تؤجج العواطف، وتزيد المحبة، التى هى غذاء الروح، كما أن لا حياة للبدن بلا طعام، فكذلك لا حياة للروح والقلب بلا كلام معسول، وإن تجاهل حق المرأة إلى العاطفة العذبة التى تفيض بها الكلمة الطيبة يجعل القلب يتحجر ويقسو ، مما ينعكس سلبيَّا على حياة الرجل والأسرة كلها.
6. من صور حق التقدير المكفول للمرأة فى الإسلام، أن يشكر الرجل زوجته، على أفعالها، وما قامت به من أعمال وواجبات أسرية، وأن يبالغ فى الثناء عليها، أما الناس والجيران وأقربائه، ويعلى من مكانتها ويفخم قدرها ويعظم فعالها فى مواطن كثيرة، فإن ربته كتف حانية من الزوج مع ابتسامة مشرقة مقرونة بكلمة طيبة وشكر مستحق لرعايتها له ولولده، تذهب كل متاعب المرأة، وتنعش فؤادها المشرئب للعطفوالحنان، قال تعالى: ( وقولوا للناس حسنا ) ( البقرة:83) ، وقال تعالى : ( اعملوا ءال داود شكرا) (سبأ:13).
وأحق من يشكر هو الزوجة قرينة الحياة ، وشطر الأسرة ، وفى الحديث "من لم يشكر الناس لم يشكرالله "صحيح الجامع 6541 ، فيجب على الرجل أن يشكر زوجته، لا كما يقول الكثيرون: " لا شكر على واجب"، وهذه مسئوليتها، وواجبها أن ترعى بيتها وولدها، وكيف يكون شكر على واجب، ولهؤلاء نقول : أليس الله عز وجل قد فرض علينا فرائض، وأوجب علينا واجبات يجب علينا أن نقوم بها، مع ذلك يجازينا الله على أدائها الجزاء العظيم والثواب الجزيل، فلماذا ننتظر الشكر من الله ؟  ولا نرى حقاً للمرأة، أن تتطلب الشكر على واجباتها.
7. من صور التقدير أيضاً، أن يشرك الرجل امرأته فى همومه وأفكاره وطموحاته وأموره العامة والخاصة ، وهذا الأمر يجعل المرأة تشعر بقيمتها ومكانتها عند زوجها، إذا هو ينزلها بمنزلة نفسه التى يشاورها عند الشدائد واتخاذ القرارات.
ولما نزل الوحى على الرسول صلي الله عليه وسلم ، وأصابه الفزع الشديد من جراء ذلك، ذهب مسرعاً لـخديجة رضى الله عنها، ثم بدأ يقص الخبر عليها، ويقول :" لقد خشيت على نفسي " البخاري في بدء الوحي ومسلم في الإيمان ، ويتداول مع عائشة قضية بناء الكعبة وردها على قواعد إبراهيم عليه السلام، ويذكر لها السبب المانع من ذلك*، وكان يجتمع  صلي الله عليه وسلم كل ليلة مع أزواجه فى بيت التى عليها النوبة، يتحدث معهن فى شئونه وشئونهن، ثم تنصرف كل واحدة إلى بيتها.

أضف تعليقاً
This is a captcha-picture. It is used to prevent mass-access by robots. (see: www.captcha.net)