الدراسات والبحوث
حق المرأة في السفر والتنقل وضوابطه الشرعية (1/2)
عصام زيدان
ملخص المادة( المادة كاملة في المرفقات )

 خروج المرأة من منزلها لقضاء حاجتها وتنقلها وسفرها ما زال محل اهتمام شريحة كبيرة, خاصة بعد التطور الحادث في وسائل التنقل, والذي على أثره رأى بعض العلماء ضرورة تغير الفتوى والسماح للمرأة بحرية التنقل ما دامت في رفقة أمنة, وتمسك آخرون بالنصوص المعارضة لسفر المرأة بدون محرم.
وفي هذه الدراسة نتعرف على:
• حكم خروج المرأة من منزلها والضوابط الشرعية لهذا الخروج.
•  حكم سفر المرأة بدون محرم.
• ما الحكم إذا لم تجد المرأة محرمًا يصحبها في سفر مشروع؟
• اختلاف وسائل السفر والتنقل وأثره على تحريم سفر المرأة بلا محرم.
• هل يجوز للرجل إجبار زوجته على السفر معه؟
• وما الحكم إذا امتنعت الزوجة عن السفر مع زوجها؟


حكم خروج المرأة من منزلها والضوابط الشرعية لهذه الخروج
الأصل أن المرأة مأمورة بلزوم البيت، منهية عن الخروج إلا عند الحاجة, وعند خروجها لا يخلو الحال من أمرين:
 الأول, خروجها لحاجتها اليومية كالعمل وغيره فيكفي الاتفاق بين الزوجين على ذلك ولا تحتاج إلى إذن خاص مادام هذا العمل متكررا.
الثاني, إذا أردت الخروج بغير حاجة متكررة, وليس لديها أذن عام بالخروج, وجب عليها استئذان الزوج أو الولي.
 وفي الحالتين وضع الفقهاء ضوابط شرعية لخروجها وهي كالتالي:
الأول:أن يكون خروجها لضرورة
ودليل ذلك قوله تعالى:"وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ"(الأحزاب:33), قال ابن كثير:أي الزمن بيوتكن، فلا تخرجن لغير حاجة.
ويؤيده ما جاء عن أم المؤمنين عائشة- رضي الله عنها- قالت:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"قد أذن الله لكن أن تخرجن لحوائجكن" (البخاري:5237).
 يقول العيني في عمدة القاري:"قال ابن بطال:في هذا الحديث دليلٌ على أنَّ النساء يخرجن لكل ما أبيح لهنَّ، الخروج من زيارة الآباء والأمهات وذوي المحارم، وغير ذلك مما تمسُّ به الحاجة.
الثاني:أن يكون الخروج بإذن وليها
فإن كانت ذات زوج فلا تخرج إلاَّ بإذن زوجها, قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"لا يحلُ للزوجة أن تخرج من بيتها إلاَّ بإذنه، وإذا خرجت من بيت زوجها بغير إذنه كانت ناشزة عاصية لله ورسوله، ومستحقةً للعقوبة".
قال النووي في المجموع عند التعليق على الحديث الذي رواه عبد الله ابن عمر, قال:قال رسول الله صلة الله عليه وسلم:"إذَا اسْتَأْذَنَكُمْ نِسَاؤُكُمْ بِاللَّيْلِ إلَى الْمَسْجِدِ فَأْذَنُوا لَهُنَّ" (البخاري:865): "أُستدل به على أنَّ المرأة لا تخرج من بيت زوجها إلاَّ بإذنه لتوجه الأمر إلى الأزواج بالإذن، وللزوج منع زوجته من الخروج من منزله إلا ما لها منه بد، سواء أرادت زيارة والديها أو عيادتهما، أو حضور جنازة أحدهما".
قال ابن قدامة في المغني:"قال أحمد في امرأة لها زوج وأم مريضة، طاعة زوجها أوجب عليها من أمِّها، إلاَّ أن يأذن لها، ولأنَّ طاعة الزوجة واجبة، فلا يجوز ترك الواجب لما ليس بواجب، ولا يجوز لها الخروج إلاَّ بإذنه، ولكن لا ينبغي للزوج منعها من عيادة والديها وزيارتهما، لأنَّ في ذلك قطيعة لهما، وحملاً لزوجته على مخالفته، وقد أمر الله تعالى بالمعاشرة بالمعروف".
وإن كانت غير متزوجة, فلا يجوزُ لها الخروج إلاَّ بإذن الأبوين في حال وجودهما، أو الجد في حال عدم وجود الأب.
الثالث:أن تلتزم في خروجها بالآداب الشرعية
 ومنها الزى الشرعي,ودليل ذلك قوله تعالى:"يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً" (الأحزاب:59).
 يروي ابن جرير الطبري عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قوله:"أمر نساء المؤمنين إذا خرجنَّ من بيوتهن في حاجةٍ أن يغطين وجوههنَّ من فوق الجلابيب".
ومنها أيضا أن يكون خروجها بلا زينة لحديث أبي موسى- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إذا استعطرت المرأة فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية". (صحيح الجامع:323)
وفي حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ولكن ليخرجن وهن تفلات".(صحيح أبو داود:565)
قال ابن قيم في الطرق الحكمية:"يجب على ولي الأمر منع النساء من الخروج متزينات متجملات، ومنعهنَّ من الثياب التي يكنَّ بها كاسيات عاريات، وله أن يحبس المرأة إذا أكثرت الخروج من منـزلها، ولاسيما إذا خرجت متجملة، بل إقرار النساء على ذلك إعانة لهنَّ على الإثم والمعصية، والله سائل ولي الأمر في ذلك، وقد منع أميرُ المؤمنين عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- النساء من المشي في طريق الرجال، والاختلاط بهم في الطريق".
الرابع:أن لا يفضي خروجها إلى حرام
فالقاعدة الأصولية المعروفة:"ما لا يتم الواجب إلاَّ به فهو واجب، وما يترتب عليه محرم؛ فهو محرم", وذلك كأن يؤدي خروجها إلى اختلاطها بالرجال الأجانب، أو الخلوة بالرجل الأجنبي كالسائق  وغيره.
حكم سفر المرأة بلا محرم
تعريفُ السّفر لغةً:
قال في المصباح:السَفَرُ بفتحتين وهو قطع المسافة يقال ذلك:إذا خرج للارتحال أو لقصد موضع فوق مسافة العَدْوَى؛ لأنّ العرب لا يسمون مسافة العدوى سفراً, وجمع الاسم: أسفار، وقوم سَافِرَة، وسُفَّار.
تعريفُ السفر اصطلاحا:
ولم يذكر حدُّ السفر الذي يقع به القصر، لا في القرآن ولا في السُنّة، وإنما كان كذلك لأنّها كانت لفظة عربية مستقر علمها عند العرب الذين خاطبهم الله تعالى بالقرآن.
قال شيخ الإسلام في الفتاوى:"حدُّ السفر الذي علّق الشارع به الفطر والقصر، ممّا اضطرب الناس فيه قيل:ثلاثة أيام، وقيل يومين قاصدين، وقيل:أقل من ذلك حتى قيل ميل".
وقال بن قدامة في المغني:"كل اسم ليس له حدٌّ في اللغة ولا في الشرع فالمرجع فيه إلى العرف، فما كان سفرا في عرف الناس فهو السفر الذي علّق به الشارع الحكيم، وذلك مثل سفر أهل مكة إلى عرفة فإنّ هذه المسافة بريد، وهذا سفر ثبت فيه جواز القصر والجمع بالسُنّة".
وقال النووي في شرح صحيح مسلم مبينا أن السفر هنا لا يتقيد بمسافة معينة:"فالحاصل أن كل ما يسمى سفرا تنهى عنه المرأة بغير زوج أو محرم، سواء كان ثلاثة أيام أو يومين أو يوما أو بريدا أو غير ذلك؛ لرواية ابن عباس في صحيح مسلم:(لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم) وهذا يتناول جميع ما يسمى سفرا".
تعريفُ المَحْرَم لغة:
قال في مختار الصحاح: المَحْرَمُ:الحَرَاْمُ, ويقال:هو ذو مَحْرَم منها: إذا لم يحل له نكاحها.
تعريفه اصطلاحاً:
قال ابن قدامة في المغني:"المَحرمُ:زوجها أو من تحرم عليه على التأبيد بنسب أو سبب مباح كأبيها وابنها وأخيها من نسب أو رضاع".
ويشترط في المحرم الذي يصح أن تسافر معه  المرأة، أن يكون مسلما، ذكرا,بالغا، عاقلا, يحرم عليها على التأبيد كالأب والأخ والعم والأخ من الرضاع وأبي الزوج.
حكم سفر المرأة بلا محرم:
الأصل المقرر في شريعة الإسلام ألا تسافر المرأة وحدها، بل يجب أن تكون في صحبة زوجها، أوذي محرم لها, ودلت الأحاديثُ الكثيرة الصحيحة الصريحة على ذلك، صيانة لها من الأخطار، وحفظا لها من الأضرار ورغبة في سلامتها, ومن ذلك:
1ـ ما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يقول:"لا يَخْلُونَّ رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تُسافِر امرأة إلا مع ذي مَحْرم" فقام رجل فقال:يا رسول الله إن امرأتي خرجتْ حَاجَّة وإني اكتُتبتُ في غزوة كذا وكذا . قال: انطلق فحُجّ مع امرأتك".(البخاري:5233)
 قال القرطبي في "المفهم" قوله:صلى الله عليه وسلم للرجل:"انطلق فحج مع امرأتك" هو فَسْخ لما كان التزم من المُضِيّ للجهاد, ويدل على تأكُّد أمر صيانة النساء في الأسفار".
2ـ وعن أبي هريرة مرفوعا:"لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها محرم" (البخاري:1088).
3ـ عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفراً يكون ثلاثة أيام فصاعداً ، إلا ومعها أبوها، أو ابنها، أو زوجها، أو أخوها، أو ذو محرم منها"(مسلم:1339).
4ـ عن قَزَعة مولى زياد قال:سمعت أبا سعيد – وقد غزا مع النبي صلى الله عليه وسلم ثنتى عشرة غزوة قال:"أربع سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قال يحدثهن عن النبي صلى الله عليه وسلم فأعجبتني وآنقنني:أن لا تسافر امرأة مسيرة يومين ليس معها زوجها أو ذو محرم، ولا صوم يومين:الفطر والأضحى، ولا صلاة بعد صلاتين بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس ولا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد:مسجد الحرام، ومسجدي، ومسجد الأقصى"(البخاري:1864).
5ـ عن ابن عمر رضي الله عنهما:"أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم"( البخاري:1036)
وهذه الأحاديث وغيرها تشمل كل سفر، سواء كان واجبًا كالسفر لزيارة أو تجارة أو طلب علم أو نحو ذلك.
وقد عدّ ابنُ حجر الهيثمي في الزواجر سفر المرأة وحدها بطريق تخاف فيه على بُضعها من الكبائر فقال:"الكبيرةُ المائة:سفرُ المرأة وحدها بطريق تخاف فيه على بضعها, لعظيم المفسدة التي تترتب على ذلك غالباً، وهي استيلاء الفجرة وفسوقهم بها فهو وسيلة إلى الزنا، وللوسائل حكم المقاصد، وأما الحُرمة فلا تتقيد بذلك، بل يحرم عليها السفر مع غير المحرم وإن قصر السفر، وكان أمناً، ولو لطاعة كنفل الحج أو العمرة ولو مع النساء من التنعيم".
وليس أساس هذا الحكم سوء الظن بالمرأة وأخلاقها، كما يتوهم البعض، ولكنه احتياط لسمعتها وكرامتها، وحماية لها من طمع الذين في قلوبهم مرض، ومن عدوان المعتدين.
ما الحكم إذا لم تجد المرأة محرمًا يصحبها في سفر مشروع؟
اختلف الفقهاء في هذا الموضوع,بناء على كل حالة, وحاصل هذه الحالات ثلاثة, نعرضها على الوجه التالي:
الحالة الأولى:أن تسافر من بلد لا تستطيع فيه إظهار دينها الواجب, فهذه الحال لا يُشْتَرط للمرأة فيها مَحْرم اتفاقاً.
 قال ابن الملقن في:"الإعلام بفوائد عمدة الأحكام":"أما سفر الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام فاتفق العلماء على وجوبه، وإن لم يكن معها أحد من محارمها".
وقال القرطبي في:"المفهم":"اتُّفِق على أنه يجب عليها أن تسافر مع غير ذي محرم إذا خافت على دينها ونفسها، وتهاجر من دار الكفر كذلك, وذلك لأن القيام بأمر الدين واجب، والهجرة من ضرورة الواجب، وما لا يتم الواجب إلا به واجب".
وقال القاضي عياض:"اتفق العلماء على أنّه ليس لها أن تخرج غير الحج والعمرة، إلا العجزة من دار الحرب فاتفقوا أنّ عليها أن تهاجر منها إلى دار الإسلام وإن لم يكن معها محرم".
وقال البغوي:"لم يختلفوا في أنّه ليس للمرأة السفر في غير الفرض إلا مع زوج أو محرم إلا كافرة أسلمت في دار الحرب أو أسيرة تخلصت".
وخلاصة الأمر أن هناك إجماع على عدم اشتراط المحرم للمرأة التي تفر بدينها من ديار الكفر إلى دار الإسلام.
والحـالة الثانية:أن تسافر المرأة للحج الواجب, فهذه الحال مُخْتَلف في اشتراط المَحْرم للمرأة.
اختلف الفقهاء في هذا الموضوع, وسبب هذا الخلاف مخالفة ظواهر الأحاديث السابقة الموجبة لحرمة سفر المرأة بدون محرم لظاهر قوله تعالى:"وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا"(العمران:97), وذلك أن قوله:"مَنِ اسْتَطَاعَ" ظاهره الاستطاعة بالبدن، فيجب على كل من كان قادرا عليه ببدنه..ومن لم تجد مَحْرماً قادرة ببدنها، فيجب عليها فلما تعارضت هذه الظواهر اختلف العلماء في تأويل ذلك, وهذا عرض لأقوالهم:
القول الأول: تمسك بظاهر الأحاديث المذكورة، فمنع سفرها بغير المحرم، ولو كان لفريضة الحج، ولم يستثن من هذا الحكم صورة من الصور.
 وممن ذهب إلى هذا إبراهيم النخعي، والحسن البصري، وأبو حنيفة وأصحابه، وأحمد بن حنبل في رواية، وإسحاق, وأبو ثور.
قال ابن قدامة في المغني:"فمن لا محرم لها لا تكون كالرجل فلا يجب عليها الحج، وقد نصّ عليه أحمد فقال أبو داود قلت لأحمد:امرأة مُوسرة، لم يكن لها محرم، هل يجب عليها الحج؟ قال:لا".
واستدل المانعون من سفر المرأة إلى الحج بلا محرم سوء كان فريضة أو تطوعاً بالاتي:
1ـ عموم الأدلة السابقة المانعة من السفر بلا محرم، وقالوا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفرق بين سفر الحج وغيره، ولأنّ المحذور في سفر المرأة بلا محرم موجود في كل أسفارها وإن كان للحج .
2ـ  ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما"أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا تحجن امرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم فقام رجل، فقال:يا رسول الله، إنّ امرأتي خرجت حاجة، وإنّي اكتتبت في غزوة كذا وكذا، قال:انطلق فحجّ مع امرأتك".
وقالوا هو نص في اشتراط المحرم في سفر الحج، فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم صاحبه أنّ يلحق بامرأته رغم أنّه قد اكتتب في غزوة جهادية في سبيل الله ولولا وجود المحرم لما أمره النبي صلى الله عليه وسلم بالتخلي عن ذروة الجهاد لأمر ليس بواجب.
قال الجصاص الحنفي في أحكام القرآن تعليقاً على حديث ابن عباس:"وهذا يدل على أنّ قوله:لا تسافر امرأة إلا ومعها ذو محرم قد انتظم المرأة إذا أرادت الحج من ثلاثة أوجه:
أحدها:أنّ السائل عقل منه ذلك، ولذلك سأله عن امرأته وهي تريد الحج ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك عليه فدّل على أنّ مراده صلى الله عليه وسلم عام في الحج وغيره من الأسفار.
والثاني: قوله:حج مع امرأتك وفي ذلك إخباره منه بإرادة سفر الحج في قوله:لا تسافر إلا ومعها ذو محرم.
والثالث:أمره إيّاه بترك الغزو للحج مع امرأته، ولو جاز لها الحج بغير محرم، أو زوج لما أمره بترك الغزو، وهو فرض للتطوع وفي هذا دليل أيضا على أنّ حج المرأة كان فرضا ولم يكن تطوعا، لأنّه لو كان تطوعاً لما أمره بترك الغزو الذي هو فرض لتطوع المرأة، ومن وجه أخر وهو أنّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يسأله عن حج المرأة أفرض هو أم نفل وفي ذلك دليل على تساوي حكمهما في امتناع خروجها بغير محرم فثبت بذلك أنّ وجود المحرم للمرأة من شرائط الاستطاعة.
القول الثاني:أجاز بعض أهل العلم للمرأة الحج بلا محرم مع نسوة ثقات, وأمن الطريق.
وهو قول مالك والشافعي ورواية عن الإمام أحمد, واختاره شيخ الإسلام.
قال مالك في الموطأ:"الصَرُورَة من النساء التي لم تحج قط أنها إن لم يكن لها ذو محرم يخرج معها أو كان لها فلم يستطع أن يخرج معها أنها لا تترك فريضة الله عليها في الحج، لتخرج في جماعة النساء".
وقال الشافعي في الأم:"وإن كان فيما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على أنّ السبيل الزاد والراحلة وكانت المرأة تجدهما وكانت مع ثقة من النساء في طريق مأهولة آمنة فهي ممن عليه الحج عندي, وإن لم يكن معها ذو محرم لأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستثن فيما يوجب الحج إلا الزاد والراحلة, وإن لم تكن معها حرة مسلمة ثقة من النساء فصاعداً لم تخرج مع رجال لا امرأة معهم ولا محرم لها منهم, وقد بلغنا عن عائشة وابن عمر وابن الزبير مثل قولنا في أن تسافر المرأة للحج وإن لم يكن معها محرم".
وقال النووي في شرحه على مسلم:"جواز حج المرأة بلا محرم إذا أمنت على نفسها وهو مذهبنا".
وهذا القول بعدم وجوب المحرم في الحج رواية عن أحمد قال في المغني:"وعنه رواية ثالثة أنّ المحرم ليس بشرط في الحج الواجب..قال الأثرم :سمعت أحمد يُسأل:هل يكون الرجل محرماً لأمّ امرأته، يخرجها إلى الحج؟ فقال:أما في حجة الفريضة فأرجوا، لأنها تخرج إليها مع النساء ومع كلّ من أمنته وأما في غيرها فلا".
ويطرد هذا الحكم في الأسفار كلها، كما صرح بذلك بعض العلماء, لأن المقصود هو صيانة المرأة وحفظها وذلك متحقق بأمن الطريق، ووجود الثقات من النساء أو الرجال.
وهذا ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية, ذكر ابن مفلح في (الفروع) عنه, قال:تحج كل امرأة آمنة مع عدم المحرم، وقال:إن هذا متوجه في كل سفر طاعة. 
واختُلِف بما يقع، قال ابن قدامة في المغني:"قال ابن سيرين:تَخْرج مع رجل من المسلمين لا بأس به".. وقال مالك:تخرج مع جماعة النساء..وقال الشافعي:تخرج مع حُرَّة مسلمة ثقة.. وقال الأوزاعي:تخرج مع قوم عدول.
واستدل من قال بجواز سفر المرأة من غير محرم عند الأمن ووجود الثقات بالنص, ومن ذلك:
1ـ ما جاء عن عبدالله بن عمر رضي الله عنه, سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم:أي الحج أفضل؟ قال:العج والثج.قال:وما السبيل؟ قال الزاد والراحلة". (صحيح الترغيب والترهيب:1131)
 ووجه الدلالة:أنّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يشترط المحرم.
2ـ ما رواه البخاري في صحيحه أن عمر رضي الله عنه أذن لأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - في آخر حجة حجها، فبعث معهن عثمان بن عفان وعبد الرحمن، فقد اتفق عمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف ونساء النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذلك، ولم ينكر غيرهم من الصحابة عليهن في ذلك, وهذا يعتبر إجماعًا. (البخاري:1860).
قال البدر العيني في عمدة القاري:"وفي الحديث المذكور:ما خرجت أزواج النبي صلى الله عليه و آله وسلم إلى الحج إلا بعد إذن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لهن وأرسل معهن من يكون في خدمتهن, وكان عمر رضي الله تعالى عنه متوقفاً في ذلك أولاً، ثم ظهر له الجواز؛ فأذن لهن وتبعه على ذلك جماعة من غير نكير.
3ـ ما رواه الشيخان من حديث عدي بن حاتم، قال, قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"يوشك أن تخرج الظعينة من الحيرة تؤم البيت لا زوج معها، لا تخاف إلا الله..", وهذا الخبر لا يدل على وقوع ذلك فقط، بل يدل على جوازه أيضًا، لأنه سبق في معرض المدح بامتداد ظل الإسلام وأمنه.
4ـ كما استدلوا بقاعدتين وبالقياس:
ـ القاعدة الأولى:أن الأصل في أحكام العادات والمعاملات هو الالتفات إلى المعاني والمقاصد بخلاف أحكام العبادات، فإن الأصل فيها هو التعبد والامتثال، دون الالتفات إلى المعاني والمقاصد.
ـ القاعدة الثانية:إن ما حرم لذاته لا يباح إلا للضرورة، أما ما حرم لسد الذريعة فيباح للحاجة, ولا ريب أن سفر المرأة بغير محرم مما حرم سدًا للذريعة.
ـ القياس على الحال الأولى المتفق عليها، وهي عدم اشتراط المحرمية للمرأة التي تنتقل من بلد لا تستطيع إظهار دينها الواجب فيه.
5 ـ وتأولوا الأحاديث المعارضة, ومنها حديث "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا ومعها حُرْمة", قال القرطبي في المُفْهِم:"إن المنع في هذه الأحاديث إنما خرج لما يُؤدِّي إليه من الخلوة، وانكشاف عوراتـهن غالباً, فإذا أُمِن ذلك، بحيث يكون في الرفقة نساء تنحاش إليهن، جاز".
وعارض المانعون من أصحاب المذهب الأول هذا القول وأدلته, كالتالي:
1 ـ يرد على الدليل الأول بأنه لبيان السبيل فحسب مع استلزام الشروط الأخرى لأنّ حكم المسألة الشرعية يؤخذ عن طريق جمع الأدلة كلها وتأملها, قال ابن قدامة:"ويحتمل أنّه أراد أنّ الزاد والرحلة يوجب الحج مع كمال بقية الشروط, ولذلك اشترطوا تخلية الطريق، وإمكان المسير، وقضاء الدين، ونفقة العيال، واشترط مالك إمكان الثبوت على الراحلة وهي غير مذكورة في الحديث واشترط كل واحد منهم في محلّ النزاع شروطاً من عند نفسه لا من كتاب ولا من سُنّة فما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم أولى بالاشتراط.
2ـ أما الدليل الثالث فهو وصف الحال، لا يترتب عليه حكم الإباحة، أو الإقرار ومثله أحاديث كثيرة تصف الحال منها:حديث أبي هريرة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات من جبل من ذهب يقتتل الناس عليه، فيقتل من كل فئة تسعة وتسعون، ويقول كل رجل منهم ، لعلّي أكون أنا الذي أنجو"(مسلم:2894), فهل يقول أحد بجواز الاقتتال على ذهب الفرات.
وعلى فرض أنّ حديث الظعينة دال على مشروعية سفر المرأة بلا محرم، فإنّ ذلك إشارة إلى استتاب الأمن وشيوعه، وانتشار الطمأنينة في أرجاء الجزيرة فلا يُخشى من قَطع طريق، أو بطش ظالم وحينئذ إذا سادت تلك الأحوال فأمنت النساء ، وأطمأن الناس فلا مانع من سفرها بلا محرم.
3 ـ وأما الجواب عن قولهم بأنّ سفرها للحج الواجب قياساً على تخلصها من أيدي الكفار, فأنّ أحاديث النبي – وهو أعلم – لم تفرق بين سفر واجب ومستحب أو بين الحج وغيره كما تقدم.
القول الثالث:استثنى المرأة العجوز التي لا تشتهي.
ونقل عن القاضي أبي الوليد الباجي، من المالكية، مراعاة للأغلب, وكون العجوز لا تشتهى.
قال الباجي فيما نقله عنه القاضي عياض:وهذا عندي ـ يعني:اشتراط المحرم ـ في الانفراد ـ أي:عندما تسافر المرأة مُنْفردة لوحدها ـ ، والعدد اليسير، فأما في القوافل العظيمة فهي عندي كالبلاد، يَصِح فيها سفرها دون نساء وذوي محارم..وهذا في الشابة، فأما المُتَجَـالَّة ـ وهي الطَّاعِنة في السن ـ فتسافر كيف شائت للفرض والتطوع مع الرجال ودون ذوي المحارم".
 لكن رَدّه النووي في شرح مسلم,وقال:"وهذا الذي قاله الباجي لا يوافق عليه؛ لأن المرأة مظنة الطمع فيها، ومظنة الشهوة ولو كانت كبيرة.. ويجتمع في الأسفار من سفهاء الناس وسقطهم من لا يرتفع عن الفاحشة بالعجوز وغيرها؛ لغلبة شهوته، وقلة دينه ومروءته، وخيانته، ونحو ذلك.
كما عارضه القرطبي في المفهم فقال:"وفيه بُعْدٌ؛ لأن الخَلْوة بـها تحرم، وما لا يطلع عليه من جسدها غالباً عورة، فالمظنة موجودة فيها, والعموم صالح لها، فينبغي ألا تخرج منه.

الحالة الثالثة:أن تسافر المرأة سفرا غير واجب، كعمرة مستحبة أو زيارة لذوي رحم.
 فهذه الحال السفر فيها يأتي على ضربين:
ـ أولهما:أن يكون السفر قصيرا، فمذهب الحنفية جوازه من غير اشتراط محرم, قال ابن عابدين في حاشيته:وينبغي أن يكون الفتوى عليه لفساد الزمان, ويؤيده حديث الصحيحين:"لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم عليها", وفي لفظ مسلم مسيرة ليلة, وفي لفظ يوم، خلافا للجمهور فلا فرق بين سفر طويل وقصير عندهم.
وحجةُ الحنفية في التفريق بين السفر الطويل والقصير ذكرها الحافظ في الفتح, فقال: "وحجتُهم أنّ المنع المقيد بالثلاث متحقق، وما عداه مشكوك فيه، فيؤخذ بالمتيقن".
وأجاب الحافظ عن هذه الحجة فقال:"ونوقض بأنّ الرواية المطلقة شاكلة لكل سفر فينبغي الأخذ بها وطرح ما عداها فإنّه مشكوك فيه، ومن قواعد الحنفية تقديم الخبر العام على الخاص وترك حمل المطلق على المقيد، وقد خالفوا ذلك هنا".
ـ والثاني:أن يكون السفر طويلاً, فاختلف فيه على قولين:
ـ أولهما:جواز السفر مع غير محرم مع شرط الأمن, وسبق.
ـ والثاني:عدم جواز السفر إلا بمحرم، وحكاه بعضهم اتفاقاً, قال ابن الملقن:"قال القاضي عياض:واتفق العلماء على أنه ليس لها أن تخرج في غير الحج والعمرة إلا مع ذي محرم إلا الهجرة من دار الحرب".
ودليلهم حديث:"لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع ذي محرم" ونحوه, وعارضه ابن عبد البر في الاستذكار فقال:"والذي جَمَعَ معاني آثار الحديث ـ على اختلاف ألفاظه ـ أن تكون المرأة تُمْنَع من كل سفر يُخْشى عليها فيه الفتنة ، إلا مع ذي محرم أو زوج، قصيراً كان السفر أو طويلاً .
 

أضف تعليقاً
This is a captcha-picture. It is used to prevent mass-access by robots. (see: www.captcha.net)