تتباين وجهات النظر حول الأندية الرياضية الخاصة بالنساء, ما بين مجيز لها بضوابط, وما بين مانع لها بدعوى غلبة الفساد والنظر إلى المآلات. وتختلط هذه الاختلافات حول الأندية النسائية, مع اختلاف آخر حول الدعوة لممارسة النساء الرياضة, وفتح المجال للأنشطة الرياضية في مدارس البنات. موقع (وفاء لحقوق المرأة) فتح هذا التحقيق للتعرف على وجهات النظر المختلفة حيال هذه القضايا المتشابكة.
80 بالمئة من السعوديات يعانين السمنة:
يتوقع مختصون أن تتضاعف نسبة زيادة السمنة في السعودية، وبخاصة إذا لم يتخذ أي إجراء ضدها، في السنوات الخمس المقبلة من 28 في المائة، إلى 56 في المائة.
ويقولون أن ما يساهم في زيادة السمنة أن نحو 80 في المائة من السعوديين لا يمارسون الرياضة، كما تعاني 80 في المائة من النساء من الوزن الزائد.
خلوها تسمن:
وعلى ضوء هذه الإحصائية أطلقت شابات سعوديات في وقت سابق حملة إلكترونية عبر شبكة الإنترنت بعنوان "خلوها تسمن"، احتجاجا على قرار وزارة الشؤون البلدية بإغلاق جميع النوادي الرياضية النسائية التي لا تخضع لإشراف طبي من مستوصف أو مستشفى.
وتساءلت المحتجات عن البديل الذي يمكن أن يلجأن إليه في ظل التكاليف الباهظة للنوادي الصحية والرياضية التابعة للمستشفيات، وناشدن المسئولين في وزارة الشؤون البلدية، وأمين محافظة جدة، إعادة النظر بالقرار.
تشغيل ثلاثة أندية رياضية للنساء:
وفيما يبدو أنها بداية للاستجابة لهذه الحملة تعتزم أمانة العاصمة المقدسة تشغيل ثلاثة أندية رياضية مغلقة للنساء والرجال خلال الأشهر القادمة.
وستكون هذه الأندية موزعة على أحياء الشرائع النسيم والنورية، كما ستوزع الأيام في هذه الأندية بين الرجال والنساء حيث ستخصص ثلاثة أيام للنساء لممارسة الرياضة، بينما تكون بقية الأيام للرجال.
وأوضح المهندس زكي حريري مدير إدارة الحدائق والتجميل، أن الأندية ستكون مسوَّرة من جوانبها كافة، وتضم في أرجائها صالات مغلقة، ومواقع لممارسة رياضة المشي، وملاعب كرة قدم، والسلة، والطائرة، مضيفا أن هذه الأندية الرياضية سيتم تشغيلها في أيام النساء بكادر نسائي متكامل، حيث سيتم تجهيزها بجميع المستلزمات الرياضية والبوفيهات والمصلى.
الرياضة في مدارس البنات..البداية والنهاية:
وفي كتابه "الرياضة في مدارس البنات:البداية والنهاية"، يقول الشيخ خالد الشايع إن اعتماد مادة تربية رياضية في مدارس البنات هو البذرة الأولى للمشروع الرياضي النسائي الكبير، على غرار المجتمعات الغربية، والعربية المتغربة، إذ سيتبع ذلك وبشكل متسارع الرياضة في التعليم العالي، حيث تفتح التخصصات والكليات التي تُعنى بتخريج المدربات والمعلمات للرياضة البدنية وغير البدنية، ثم يتبع ذلك إقامة البطولات المدرسية والجامعية.
وفي النسق نفسه, كما يقول الشايع, الأندية التي تتبعها اللاعبات في مختلف مجالات الرياضة، وما يتبع ذلك من مشجعات ودوريات وبطولات محلية وعربية وإقليمية وأوليمبية ودولية، على غرار ما عند غيرنا.
ويضيف في كتابه, بهذا نعلم أن ذلك المدخل ليس المراد به تنشيط أبدان الفتيات وتحصيل البنية الصحيحة لهن، ولكنه سيخرج عن نطاقه كما خرج في مجالات أخرى, ونحن نعلم من خلال ما عايشناه في مدارس البنين أن أثر حصة الرياضة البدنية في المدارس ما هو إلا أثر يسير، وأنها بمثابة حصة ترفيه أكثر من كونها بناء رياضيا للأبدان، ولهذا فإن من لم يعزز لياقته البدنية بتدريبات ورياضات خارج المدرسة فإنه لا يحصل الجسم الرياضي النشيط، ولهذا فإن إقحام حصة مماثلة في مدارس البنات لن يحقق المغزى المراد لأبدانهن بقدر ما سينخر في حيائهن وأخلاقهن، وفق ما سار عليه الطالبات في بلاد أخرى.
ويقول الشايع إن ممارسة المرأة لشيء من التمارين والحركات والتأديات التي يراد بها تنشيط الجسم والمحافظة على اللياقة البدنية أمر مرغَّبٌ فيه ومأمور به، للرجال والنساء على حدٍّ سواء، وقد دلَّت على ذلك عمومات الكتاب والسنة، مع ملاحظة ما ينبغي أن تحتاط له المرأة في الحفاظ على نفسها لرقة بدنها وأعضائها، فما قد يكون من التمارين مناسبا للرجل؛ لا يكون كذلك للمرأة؛ لاختلاف تكوينهما الجسماني.
وجاء في كتابه أن توجه المرأة للمشي في الميادين أو الحدائق الفسيحة، والذي يعتبر من أنفع ما يكون للبدن بحسب ما ذكرته الهيئات الصحية الدولية, لا يمكن أن يمانع منه أحد، ولا تمنع منه الشريعة؛ ما دام في إطار الحشمة والمحافظة العامة التي جاءت بها الشريعة، من أمن الفتنة بالبعد عن مجامع الرجال، والتزام الحشمة والحجاب الشرعي, بل قد جاء في السنة النبوية ما يدل على مشروعية ذلك في بعض الأحيان.
حجج الداعين لممارسة الرياضة وفتح الأندية:
ويتكئ الذين يدعون لإقحام المرأة في الرياضة على جملة من الحجج تعود إلى أربعة أمور:
الأول:الأصل في الرياضة الإباحة، والإسلام يشجع أتباعه على القوة، وربما استدعى بعضهم حادثة سباق النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - لعائشة - رضي الله عنها.
الثاني:أن المرأة مثل الرجل في ذلك، فكما أُقرت الرياضة في مدارس البنين فلتقرَّ في مدارس البنات، وكما أنشئت الأندية الرياضية والملاعب للشباب فلتكن كذلك للفتيات.
الثالث:أن العقل السليم في الجسم السليم، وأن السمنة بدت ظاهرة في نسائنا وفتياتنا بسبب عدم ممارسة الرياضة.
الرابع: أننا سنُحرم من المشاركات الدولية؛ لأن اللجنة الأولمبية الدولية هدَّدت بتجميد عضوية أي دولة لا تستجيب لإقرار الرياضة النسوية، ولا تنشئ أندية رياضية نسائية.
أندية النساء من أعظم وسائل الفساد:
ويعارض فضيلة الدكتور ناصر العمر المشرف على موقع المسلم افتتاح مثل هذه الأندية النسائية, وقال في معرض رده على سؤال عن الحكم الشرعي في مزاولة المرأة للرياضة في مكان آمن وبضوابط شرعية؟ بأنه لا حرج أن تزاول المرأة الرياضة في بيتها إذا احتاجت لذلك، ولا مانع أن يشتري لها ولي أمرها ما يناسبها من أدوات الرياضة، على ألا يكون مزاولتها للرياضة أمام أحد من أهل البيت، ولو كانوا محارمها، عدا زوجها ونسائها؛ لما في ذلك من الفتنة وإذهاب للحياء.
ويقول فضيلته, أما افتتاح أندية خاصة بالنساء، فهذه وسيلة من أعظم وسائل الفساد، كما هو مشاهد ومجرب في دول أخرى، والضوابط المزعومة في هذا المجال لا يمكن ضبطها؛ ولذلك فهذا الأمر محرم؛ لما يفضي إليه من مفاسد كثيرة لا تقارن بالمنافع المرجوة من هذا الأمر.
والشريعة الإسلامية, كما يقول العمر, جاءت بسد الذرائع كما هو ظاهر في الكتاب والسنة، ومن ذلك قول الله تعالى:"وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ"(الأنعام:108).
والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:"يا عائشة لولا حداثة عهد قومك بالكفر لنقضت الكعبة و لجعلتها على أساس إبراهيم؛ فان قريشاً حين بنت البيت استقصرت..".
ويضيف العمر أن علماء الأصول متفقون على أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح, وقد صدرت فتوى من عدد من علمائنا بتحريم الرياضة في المدارس والجامعات الخاصة بالبنات.
لا يلزم من حرمة النوادي حرمة الرياضة:
ويتفق الباحث إبراهيم الأزرق, مع الدكتور العمر,ويقول, إن الرياضة التي في النوادي رياضة أضيفت إليها أمور أخرى خرجت بها إلى حد التحريم، ولا يلزم من ذلك أن يكون أصل الرياضة محرما إذا لم تقترن به تلك الإشكالات الموجودة في النوادي أو محرمات أخرى.
ويقول أن مثل من يحاول تسويغ الأندية بحجة أن الرياضة سائغة والأندية تمارس فيها الرياضة، كمثل من يسوغ دخول أجنبي عقر دارك لأجل أن يشرب ماء باردا، والماء عنده في كل مكان, فهل ترضى أن يصنع الناس ذلك في بيتك بحجة أن شرب الماء جائز؟! أم ستقول:هو جائز لكن ليس بهذه الطريقة لما فيها من دخول في ملك غيره بغير إذن ولمحظورات أخرى.. فكيف تقول فيمن زعم أن من حرم اقتحام بيوت الناس لشرب الماء قد حرّم شرب الماء!
إقامة الأندية النسائية مندوبا إليها بضوابط:
أما الدكتور عبد الله السحيباني عضو هيئة التدريس في جامعة القصيم فيجيز إقامة الأندية الرياضية النسائية داعيا إلى ضرورة خلوها من التعري أو الاختلاط.
وقال الدكتور السحيباني إن حكم إقامة الأندية الرياضية النسائية من الجواز إلى الندب، مضيفا إن النوادي النسائية الرياضية مطلب ينادي به كثير من النساء اليوم لما يحصل به من فوائد التدريب واللياقة وتحصيل القوة البدنية.
وأشار إلى أن هذا يكون مفيدا صحيا واجتماعيا وتربويا، مشترطا أن يحسن القائمون إدارتها والإشراف عليها، وضمان خلوها من المنكرات الأخلاقية والسلوكية كالتعري وما شابهه أو الاختلاط.
وأضاف السحيباني أنه لا يرى حرجا في إقامة الأندية النسائية، بل قد يكون مندوبا إليها، بحسب ما يحصل فيها من المصالح والفوائد للنساء, محرما الأندية التي يقع فيها نبذ للحياء والسفور والتعري أو الاختلاط وما شابهه.
وحث السحيباني على الاستعانة بأعضاء هيئة كبار العلماء، لاستصدار فتوى محررة، يعرض فيها مسوغات إقامة المشروع، والحاجة إليه وضوابطه.
ممارسة المرأة للرياضة على أنواع ثلاثة:
ويفصل إبراهيم بن محمد الحقيل في ممارسة المرأة للرياضة، ويقول أن أنواعها ثلاثة:
النوع الأول:أن تمارسها في منزلها، وهذا النوع لا أعلم أحدا منع منه أو انتقده من العلماء، ما لم تكن رياضة عنيفة تضر بالمرأة، وتعارض تركيبها الأنثوي.
النوع الثاني:أن تشترك في مشغل، أو ناد صحي، أو رياضي، أو فندق يوجد به صالة رياضية، وهذا النوع على قسمين:
أ-أن تكون هذه النوادي أو الصالات مغلقة، وخاصة بالنساء، وخالية من المنكرات، وهذه لا يمنع منها العلماء، وإن كرهوها؛ لما فيها من خروج المرأة من منزلها بلا حاجة، وهذا مخالف لأصل قرارها في البيت الذي جاء الأمر به في قول الله - سبحانه "وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ"(الأحزاب: 33).
ب - أن تكون صالات مختلطة، أو تحوي منكرات، وهي النوادي التجارية الصحية التي أنشأها بعض أصحاب المشاغل النسائية، أو المستوصفات، أو المستشفيات، أو الفنادق وهي وإن لم تكن مختلطة، وقد خصوها بالنساء فقط، إلا أن فيها منكرات كثيرة.
النوع الثالث:جعل الرياضة النسائية أساسا في المملكة وذلك بإنشاء أندية رياضية نسائية للمشاركة في المسابقات الرياضية المحلية والعربية والعالمية، على غرار الأندية الرجالية، أو بفرض الرياضة على البنات في مراحل التعليم العام، وهذا سيؤدي إلى إنشاء كليات رياضية، وفتح أقسام رياضية في الجامعات؛ لإيجاد مدرّسات للرياضة.
ويقول أن تقرير الرياضة مادة أساسية في تعليم البنات سيمهِّد الطريق لإنشاء أندية رياضية نسائية على غرار أندية الرجال؛ وهذه الخطوة تنطوي على مفاسد كثيرة منها وقوع الفتاة الرياضية في الاختلاط بالرجال, والخلوة، وسفر الفتاة بلا محرم، بالإضافة إلى التبرج والسفور, وهذه كلها محظورات شرعية.
الرياضة النسائية جائزة شرعا بضوابط:
ويرى الدكتور محمد بن موسى الشريف، أكاديمي بقسم الدراسات الإسلامية بجامعة الملك عبد العزيز بجدة، أن الرياضة النسائية جائزة شرعا بضوابط خمسة, وهي ألا تكون هذه الرياضة من الرياضات التي حذر منها الأطباء والمختصون، أو التي تعرض المرأة لأضرار في جسدها، وألا تكون الرياضة مما تنكشف بها العورات أو تظهر على وجه فاضح، وألا تكون على وجه من التنافس الذي يجلب العداوات أو السب والشتم وسيئ الكلام، وأن تحذر المرأة من النوادي الرياضية الحديثة التي تجتمع فيها النساء وتكشف فيها العورات, وأن تحذر المرأة من الخروج منفردة من البيت بدعوى التريض والسير في الطرقات؛ فإن أرادت فعل هذا فلتخرج مع أحد محارمها أو مجموعة من النساء يرتدع بهن ضعاف النفوس.
وخلص الشريف إلى أنه ينبغي عدم إطلاق القول بتحريم ممارسة المرأة الرياضة، كما ينبغي أيضا عدم إطلاق جوازها، مشيرا إلى أن التوسط هو سمة الإسلام ومنهج أهله الكرام.
ما جدوى الضوابط؟
ويقول الشيخ فهد بن سعد أن من يدعو للأندية الرياضية النسائية، ويقول نضع لها الضوابط الشرعية، هل سأل نفسه:إلى أي رياضة تدعو لها هذه الأندية؟! ألا يعلم أن الأندية الرياضية خرَّجت الملاكِمةَ، ولاعبة القوى، وحاملة الأثقال، ولاعبة الكرة والسلة؟!
ثم ليسأل نفسَه عن الزي الذي ستلبسه المرأةُ لممارسة الرياضة:هل هي ملابس شفافةٌ؟ أو ضيقة؟ أو قصيرة؟ ومن سيدربها؟
ليسأل نفسه:أي جيل ستخرج لنا هذه الأندية؟! وهل ستكون مؤسسات لنشر التبرج والسفور وإفساد المرأة؟!
ثم لينظر يمنة ويسرة، ماذا حل بالمرأة المسلمة التي أُقحمت في هذه الأندية الرياضية؟! فكانت النهاية أن تنقل شبكات التلفاز العالمية صور الفتيات - الرياضيات - وهن شبه عاريات إلا مما يستر السوءة، ويتقدمن ليتوجن الهدايا والميداليات وهن على المنصة؛ لتتسلط عليهن الأضواء والكاميرات في مناظر مخزية، فماذا بقي من الحياء؟! وماذا بقي من الحشمة؟! وماذا بقي من خصائص المرأة وأنوثتها؟! ما الذي سيميز المرأة المسلمة عن غيرها؟!
أما سأل نفسه:من أين جاءت الدعوة إلى فتح الأندية الرياضية النسائية؟! ليسأل نفسه مرة أخرى عن البلدان المجاورة:هل كانت الرياضة النسائية متاحة في جميع المجالات دفعة واحدة، أو جاء ذلك بالتدرج مرحلة بعد مرحلة، حتى صارت في واقعها المخزي المشاهد اليوم؟! فهل الدعوة إلى فتح الأندية الرياضية النسائية دعوة إلى الفضيلة، أو بوابة إلى الرذيلة؟!
ويقول أن الإنسان قبل أن يجيز ذلك بالضوابط الشرعية، ينظر إلى مآلات الأمور، فالنظر إلى مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعًا، وينظر إلى هذه الضوابط:هل ستطبق أو لا؟
ولا يظنن ظان أن ممارسة المرأة للرياضة محرم؛ فقد سابق النبي - صلى الله عليه وسلم – عائشةَ - رضي الله عنها - ولا أتصور أن أحدا يمنع المرأة أن تمارس الرياضة في خَلْوتها، بما يتوافق مع أنوثتها، ومع عدم الإضرار بصحتها وجسمها، فنحن لا نتحدث عن ممارسة المرأة للرياضة، فهذا مباح، وقد يكون مطلوبا في بعض الأحوال؛ وإنما نتحدث عن النوادي الرياضية النسائية.
ويختم بقوله, لا أتوقع أن عاقلا ينادي بجواز الأندية الرياضية النسائية بالضوابط الشرعية، في صحف تبحث عن باب لإفساد المرأة، وترمي بالضوابط الشرعية خلفها ظهريا.


