الدراسات والبحوث
المرأة .. والعمل في مجال الإفتاء
عصام زيدان
ملخص المادة( المادة كاملة في المرفقات )

الفتوى تعد من أعظم أمور الدين, حيث يحتاج عامة المسلمين إلى من يخبرهم عن حكم الله تعالي فيما يستجد لهم من حوادث, أو ما غاب عنهم وجهلوه من أحكام دينهم.
والسؤال القائم عن حق المرأة في الفتوى, وهل يجوز لها ذلك, أم أن الإفتاء هو فقط من حق الرجال؟ وهل يجوز لها تولى منصب الإفتاء العام؟
ومن خلال الدراسة التالية نتعرف على دور المرأة في مجال الإفتاء
معنى الفتوى:
ـ الفتيا والفتوى اسما مصدر من أفتى..وتدور مادة الفتيا في اللغة حول أصلين:
الأول:بمعنى الطراوة والجدة.
والثاني:بمعنى التبيين والإظهار, وهو المراد هنا, فيقال:أفتاه في الأمر إذا أبانه له, وأفتى العالم إذا بين الحكم.
ـ والفتوى في الاصطلاح, كما في الشرح الصغير للدردير, هي الإخبار بالحكم الشرعي لا على وجه الإلزام.
بيان معنى المفتى والمستفتي:
والمفتى لغة هو المجيب عن السؤال, واصطلاحا هو الفقيه القادر على  انتزاع الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع والقياس.
أما المستفتى فهو الطالب للجواب على السؤال.
والاستفتاء هو طلب العلم بالسؤال عما أشكل.
الفرق بين الفتوى والقضاء:
تختلف الفتوى عن القضاء من أكثر من ناحية, أهمها أمرين:
ـ أولهما:أن الفتوى هي إخبار عن حكم الله تعالي من غير إلزام, أما القضاء فهو إخبار بالحكم على وجه الإلزام.  
ـ ثانيهما:أن الفتوى أعظم خطرا من القضاء, ذلك أن الفتوى تذهب شريعة عامة لدى المستفتى وغيره, بخلاف القاضي الذي يقتصر قضاؤه على محل الخصومة.
فضل الفتوى وبيان منزلتها:
في بيان منزلة الفقيه والعالم قال تعالي:"يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ".(المجادلة:11)
وجاء في البخاري من حديث معاوية رضي الله عنه, قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين".(البخاري:1037)
قال ابن القيم في إعلام الموقعين:"وإذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا ينكر فضله, ولا يجهل قدره, وهو من أعلى المراتب السنيات فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسموات".
ويتحمل المفتى إثم من أفتاه بغير علم, لما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من أفتى بغير علم كان إثمه على من أفتاه".(صحيح أبي داود:3657)
والمفتى إذا أفتى بغير علم فقد دخل تحت قوله تعالي:"قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ".(الأعراف:33)
فصار القول على الله تعالي بغير علم من أعظم المحرمات الأربع المذكورة في الآية.
كراهية التسرع في الفتوى:
 ومن منهج الصحابة رضوان الله عليهم, السلف الصالح عدم التسرع في الإفتاء, قال ابن القيم:"وكان السلف من الصحابة والتابعين يكرهون التسرع في الفتوى ويود كل واحد منهم أن يكفيه إياها غيره, فإذا رأى أنها قد تعينت عليه بذل اجتهاده في عرفة حكمها من الكتاب والسنة وأقول الخلفاء الراشدين ثم أفتى".
 وجاء في الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي, قال البراء رضي الله عنه:"لقد رأيت ثلاثمائة من أهل بدر ما منهم من أحد إلا وهو يحب أن يكفيه صاحبه الفتوى".
شروط المفتى:
اشترط العلماء شروطا عديدة في المفتي، لا بد من توفرها فيمن أراد التصدي لهذا الأمر, وهي:
1ـ الإسلام.
2ـ البلوغ.
3ـ العقل.
4ـ العدالة.
وهذه الأربعة شروط لقبول فتواه والعمل بها، وهي مجمعٌ على اشتراطها, قال ابن حمدان الحنبلي:"أما اشتراط إسلامه وتكليفه (أي أن يكون بالغاً عاقلاً) وعدالته فبالإجماع؛ لأنه يخبر عن الله تعالى بحكمه، فاعتبر إسلامه وتكليفه وعدالته؛ لتحصل الثقة بقوله ويُبنى عليه كالشهادة والرواية.
5ـ الاجتهاد.
وقد ذكر العلماء للمجتهد عدة شروط، منها ما هو محل وفاق، ومنها ما هو محل خلاف، وأهم هذه الشروط:
1ـ العلم بآيات الأحكام من القرآن الكريم.
2ـ العلم بأحاديث الأحكام من السنة الشريفة.
3ـ العلم باللغة العربية.
4ـ العلم بأصول الفقه.
5ـ العلم بمسائل الإجماع حتى لا يخالفها.
وذكر الجويني في الورقات أن شروط المفتي:"أن يكون عالما بالفقه أصلا وفرعا خلافا ومذهبا وأن يكون كامل الأدلة في الاجتهاد عارفا بما يحتج إليه في استنباط الأحكام وتفسير الآيات الواردة في الأحكام والأخبار الواردة فيها".
هل يحق للمرأة الإفتاء؟
بناء على الاشتراطات السابقة, وحيث لم يذكر الفقهاء الذكورة من شروط الفتوى, فإن من حق المرأة ضمن شروط وضوابط، من أهمها التأهيل الشرعي والفقهي, أن تفتي, ولها أن تبدي رأيها في حالة كونها مؤهلة فقهيا وشرعيا, فالفقه والعلم الشرعي وسائر التكاليف الشرعية ليست محصورة على الرجال من دون النساء.
قال ابن القيم:"الفتيا أوسع من الحكم والشهادة، فيجوز فتيا العبد والحر والمرأة والرجل والقريب والبعيد والأجنبي والأمي والقارئ".
وقد جاء في الدر المختار:"وشرط بعضهم تيقظه أي تيقظ المفتي لا حريته وذكوريته".. وقال في روضة الطالبين:"وينبغي أن يكون المفتي متنزها عن خوارم المروءة، فقيه النفس سليم الذهن رصين الفكر حسن التصرف والاستنباط، وسواء الحر والعبد، والمرأة، والأعمى والأخرس إذا كتب أو فهمت إشارته"..وجاء في المبدع:"تصح فتيا مستور الحال في الأصح وإن كان عبدا أو امرأة".
ولذلك فإن الإجماع منعقد على أن للمرأة أن تفتي, وأن شرط الذكورية غير معتبر في المفتي.
الأدلة على حق المرأة في الإفتاء:
واستدل على جواز أن تفتي المرأة بعدد من الأدلة منه:
1ـ قوله تعالي:"فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ"(النحل:43)، ووجه الدلالة في الآية:أن الله سبحانه وتعالى أمر بسؤال أهل الذكر، وهم أهل العلم وذلك حين كون الإنسان لا يعلم، وأهل الذكر هنا لفظ عام، فيشمل الرجل والمرأة.
2ـ فعل نساء الجيل الأول, فإن عائشة رضي الله عنها اشتهرت بالفتوى، ولها فتاوى خالفت فيها صحابة أجلاء، ولم ينكر أحد من الصحابة على عائشة قيامها بالفتوى، وذلك يعد إجماعا من الصحابة على صحة فتوى المرأة, يقول الإمام ابن حجر في الإصابة:"كانت عائشة أفقه الناس وأعلم الناس وأحسن الناس رأيا في العامة".
وكذلك برزت من الجيل الأول صحابيات ثم من بعدهن من عصر التابعين تابعيات اشتهرن بالعلم والتعليم والفتوى, يقول ابن القيم:"والذين حفظت عنهن الفتوى من أصحاب رسول الله  صلى الله عليه وسلم  مئة ونيف وثلاثون نفسا ما بين رجل وامرأة, وكان المكثرون منهم سبعة، ومنهم عائشة أم المؤمنين  رضي الله عنها".
والخلاصة أنه ثبت أن المرأة المسلمة كانت تتصدى للفتوى ولا مانع من أن تعمل المرأة بالإفتاء، وذلك مع مراعاة الضوابط الشرعية.
شروط عمل المرأة بالإفتاء:
وحيث ثبت جواز عمل المرأة بالفتوى, فإن عليها أن تلتزم بالضوابط الشرعية من إذن الزوج من أجل الخروج للفتوى إن دعت الحاجة لذلك، كأن تكون مستشارة وعدم التفريط في حق الزوج أو الأولاد، والالتزام باللباس الشرعي، وعدم مس الطيب حال بروزها للرجال، وأمن الفتنة، وأن تكون في منأى عن الاختلاط.
هل يحق للمرأة تولى منصب الإفتاء العام؟
تولي المرأة الولايات العامة, ومنها منصب الإفتاء, محل الخلاف بين أهل العلم؛ وتمسك المانعون بأمرين:
الأول:بما جاء عن أبي بكرة نفيع بن الحارث رضي الله عنه أنه قال:نفعني الله بكلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام الجمل بعدما كدت أن الحق بأصحاب الجمل فأقاتل معهم, قال:لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل فارس ملكوا بنت كسرى, قال:"لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة".(صحيح البخاري:4425)
ووجه الدلالة عند الجمهور أنه صلى الله عليه وسلم أخبرنا بعدم فلاح من ولوا عليهم امرأة, وهو يقتضى النهي عن توليه المرأة الولايات العامة, وقد رجح علماء الأصول أن النهي يقتضي البطلان.
قال الشوكاني في نيل الأوطار:"فيه دليل على أن المرأة ليست من أهل الولايات، ولا يحل لقوم توليتها، لأنه يجب عليهم اجتناب ما يوقعهم في عدم الفلاح".
وقال الماوردي في معرض كلامه عن الوزارة:"ولا يجوز أن تقوم بذلك امرأة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:(ما أفلح قومٌ أسندوا أمرهم إلى امرأة )؛ ولأن فيها من طلب الرأي وثبات العزم ما تضعف عنه النساء، ومن الظهور في مباشرة الأمور ما هو عليهن محظور".
الثاني:لم يعرف في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ولا العهود الثلاثة المفضلة أن تسلمت النساء ولايات عامة.
وقالوا إن الأمة أجمعت في عهد الخلفاء الراشدين وأئمة القرون الثلاثة المشهود لها بالخير عمليا على عدم إسناد الإمارة والقضاء إلى امرأة، وقد كان منهن المتفوقات في علوم الدين، اللاتي يُرجع إليهن في علوم القرآن والحديث والأحكام.
 المراجع:
ـ لسان العرب ـ ابن منظور
ـ صحيح البخاري
ـ إعلام الموقعين ـ ابن القيم
ـ الشرح الصغير ـ الدردير
ـ الدر المختار شرح تنوير الابصار ـ علاء الدين الحصكفي
ـ روضة الطالبين وعمدة المفتين ـ النووي
ـ المبدع شرح المقنع ـ ابن قدامة المقدسي
ـ الإصابة في تمييز الصحابة - ابن حجر
ـ الفقيه والمتفقه ـ الخطيب البغدادي
ـ صفة الفتوى والمفتي والمستفتي ـ ابن حمدان الحنبلي
ـ الأحكام السلطانية ـ الماوردي
ـ الشوكاني ـ نيل الأوطار
ـ الورقات ـ الجويني
ـ الفتوى العاصرة ـ د/محمد يسرى
 

أضف تعليقاً
This is a captcha-picture. It is used to prevent mass-access by robots. (see: www.captcha.net)