على الرغم من كل الأدبيات التي قدمها الكتاب والمفكرون المسلمون فيما يخص تبيان موقف الإسلام من المرأة وتكريمها ودحض ما أثير حول ذلك من شبهات إلا أن هناك من يزال يصر على تجاهل هذا الجهد مؤثرين أن تبقى حالة من الجدل العقيم التي ما يهدفون من وراءها إلا المزيد من الخلخة والزعزعة في اعتقادات الجماهير المسلمة.
ودائما ما يرتكز هؤلاء الواهمون على نموذج المرأة الغربية التي يزعمون أنها النموذج الأفضل والأكثر تطورا ناسين أو متناسين تلك المعاناة التي تعيشها تلك المرأة والتي أضحت تجسد عمق الأزمة بالنسبة للفكر المادي.
حول المقارنة بين الرؤيتين الغربية والإسلامية للمرأة كان حوار موقع "وفاء لحقوق المرأة" مع الأستاذ الدكتور سعد الدين العثماني الكاتب والمفكر الإسلامي المعروف والأمين العام السابق لحزب العدالة والتنمية المغربي... وهذا نص الحوار
يبهر النموذج الغربي الخاص بالمرأة الكثير من أبناء الأمة الإسلامية.. هل نجحت الحضارة الغربية بالفعل في تقديم نموذج يمكن أن يقتدى به؟
لقد جاءت الحضارة المادية لتنتقل بالمرأة من تشيئ إلى تشيئ ومن استغلال إلى استغلال ولم تخرج مع الأسف الشديد في سلوكها العام عن التركيز على جسد المرأة ومفاتنها لكن بوجه أبشع وأفضع.
ولسنا ننكر أن المرأة استفادت من هذه الحضارة التي تعيشها البشرية اليوم تقديرا لعهود من الانحطاط طويلة وحضورا في ساحات المجتمع أكبر مما تحقق من قبل لكن وقع في المقابل استغلال لجسد المرأة لأهداف عدة وبصورة لم يشهد لها التاريخ مثيلا.
والطرح الإسلامي وسط بين الطرفين فهو رفض لظلم المرأة وتهميشها ومعاملتها بالدونية والتنقيص كما رفض تحويلها إلى مشروع جنس وصورة للإغراء والإثارة إنه بتعبير القرآن الكريم "تكريم" بكل ما تحمله الكلمة من معنى " ولقد كرمنا بني آدم ".
ويصعب كثيرا أن يقف الإنسان في هذا الوسط فكثيرا ما يميل هنا أو هناك لأسباب عدة فقد يستفيد ما يجره الطرح المادي التشييئي للمرأة مفاسد وآلام فيميل إلى التشدد في النظرة إلى جسد المرأة والتضييق عليها وقد تستفزه مظاهر تهميش المرأة وانتقاصها فيميل إلى تساهل يميع قضية المرأة ويحولها إلى استغلال جنسي يلغي دورها الاجتماعي ليحولها إلى سلعة وبضاعة.
في إطار جهود الغرب لتحقيق هيمنته السياسية يسعى الغرب إلى ترويج رؤيته للمرأة.. كيف يمكن برأيكم التعاطي مع هذا؟
لم يعد خافيا أن هناك محاولات متواصلة لفرض هيمنة الغرب على باقي العالم ليس سياسيا واقتصاديا وعسكريا فحسب ولكن أيضا ثقافيا واجتماعيا وقضية المرأة هي واحد من المجالات التي تجسد هذا الأمر وتعكسه فأمور مثل دور الأسرة في المجتمع والأسس التي يبنى عليها ومكانة الأمومة في حياة المرأة وكيفية النظر إلى العلاقات الجنسية وغيرها كلها أمور يحاول الغرب أن يفرض فيها وجهة نظر واحدة تعرض على أنها التعبير عن الحقيقة المطلقة وبذلك فإن الغرب يتحرك ليفرض عالما له حضارة واحدة وثقافة واحدة ويسلك في سبيل ذلك كل أساليب الترغيب والترهيب المتوفرة.
لذلك لابد أن نلتمس الرؤية الإسلامية الصافية من مصادر هذا الدين الأصلية فلا ثبات في رياح العولمة العاتي إلا بأرض عقدية وتصورية صلبة ووعي بالذات كامل.
ونقرر بدءا أن الإسلام أعظم حركة تحرير ودفاع عن المرأة في تاريخ البشرية يشهد بذلك أن أغلب آيات القرآن وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم المتحدثة عن المرأة إنما أتت رافعة للظلم عنها وملغية لكثير من الأعراف الجائرة " وإذا بشر احدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون" ويقول " فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف" ويقول "يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضولهن لتذهبوا ببعض ما أتيمتوهن".
لكن هل لكم أن تعطوا لنا تصورا موجزا عن الرؤية الإسلامية للمرأة في مقابل الرؤية الغربية؟
لقد كرم الإسلام المرأة أيما تكريم وأحاطها بمظاهر العناية والاحترام وأصر على محاربة كل مظاهر تشييئها واستغلال جسدها وجعلها بضاعة للعرض والإثارة لكن المسلمين يعانون مع الأسف الشديد من اضطراب شديد في المفاهيم حول المرأة وعلاقتها بالرجل ومكانتها ومجالات نشاطها في المجتمع وقد تأثرت الكثير من تلك المفاهيم باجتهادات العصور المتأخرة التي تميزت بالتشدد والمغالاة أو جاءت ردا فعل على التغريب والإباحية الزاحفين على مجتمعات المسلمين.
ونرى أن الرؤية الإسلامية المنطلقة من القرآن والسنة لما يسمى بقضية المرأة تبنى على ثلاثة أصول ترسم خط التشريع العام وتنظم عموم أحكامه والاستثاء منها لا يتم إلا بنصوص شرعية واضحة وهي استثناءات لا يقاس عليها ولا تتعدى إلى غير مجال تطبيقها الخاص ويمكن أن نصوغ تلك الأصول في ثلاث عبارات هي:
مساواة بلا تمييز - استقلالية لا تبعية – مشاركة لا تهميش. أو قل هي : أصل المساواة وأصل الاستقلالية وأصل المشاركة.
ماذا تقصدون بأصل المساواة بلا تمييز خاصة أن البعض قد يفهم أن القصد منها هو إلغاء الحدود الفاصلة بين الجنسين؟
الرجل والمرأة في نصوص الشرع متساويان شقيقان لا يجوز معاملة أحدهما بالتمييز أو التفضيل أو المحاباة وأهمية توضيح هذا المبدأ يظهر في أن مساواة الجنسين في مجال أو أمر أو حكم لا يحتاج إثباته إلى دليل لأنه الأصل والذي يحتاج إلى البحث عن الدليل هو عدم المساواة وتخصيص النساء بأحكام مميزة وهذا في رأينا أصل أصول النظر إلى قضية المرأة وأدلة هذا الأصل في الشريعة كثيرة منها:
1- كون الرجل والمرأة متساويين في أصل الخلق والتكوين كلاهما من آدم يقول الله تعالى " يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء".
ولم يكتف القرآن بتقرير هذه الأرضية الصلبة لأصل المساواة بين الجنسين بل ركزت آيات عديدة على مساواتهما في المسئولية والعمل والجزاء بشكل لافت للنظر يقول تعالى " ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا".
2- النصوص الشرعية القاضية بين عموم المسلمين دون تمييز فالتفاضل في ميزان الشرع دنيا وأخرى يتم على أساس التقوى "إن أكرمكم عند الله أتقاكم".
3- قوله صلى الله عليه وسلم " إنما النساء شقائق الرجال" فهذا نص صريح ورد بصيغة العموم يقتضي أن الأصل في الشريعة مساواة النساء والرجال.
4- ما أكد عليه جمهور الأصوليين والعلماء من أن خطاب الذكور في نصوص الشرع سواء أكان بالمفرد أم بالجمع المذكر يخاطب النساء والرجال معا دون تفريق أو تمييز إلا إذا وجدت قرينة مخصصة.
وقد ذهب كثير من الفقهاء المعاصرين إلى استعمال لفظ المساواة للتعبير عن وضعية المرأة في الشريعة الإسلامية مثل قول رشيد رضا في تفسيره للآية "ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف" بأن الإسلام جعل القاعدة الأساسية هي المساواة بين الزوجين وككل قاعدة عامة لها هناك استثناءات حددتها الشريعة انطلاقا من طبيعة كل من الرجل والمرأة لكنها استثناءات لا تعني التقليل من شأن طرف دون آخر يقول تعالى " ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن وأسالوا الله من فضله إن الله كان بكل شئ عليماط.
وهكذا فلا يستثنى من أصل المساواة إلا أحكام محدودة شرعت خصوصيات المرأة وهي أحكام لا تثبت إلا بالنص ولا يجوز التوسع فيها أو القياس عليها إلا بدليل.


