تحقيقات
المرأة العاملة بين سندان الوظيفة ومطرقة المنزل

ليس ثمة جدال في أهمية الدور الذي يجب أن تقوم به المرأة المسلمة في المجتمع المعاصر فهي طبقا للإحصائيات تكاد تتساوى عدديا مع الرجال وهي طبقا للواقع العملي والفعلي استطاعت أن تثبت جدارتها في تلقي العلوم فنالت أعلى الشهادات العلمية في مختلف المجالات وهو ما يرد على محاولات البعض ممن يقللون أو يحقرون من شأنها بعد أن استسلموا لعادات وأعراف ما أنزل الله بها من سلطان.
 لكن يبقى مع ذلك أن الواقع العملي والتجربة التاريخية أثبتت للجميع أن الدور الرئيس والأهم للمرأة هو في الأسرة التي تعد المرأة عمودها الفقري الذي بانهياره تنهار الأسرة وتغيب دعائم نجاحها وبقيامه تعبر الأسرة إلى بر الأمان وهنا فإن التعاطي مع قضية عمل المرأة يجب أن يكون من منظور شامل يستحضر بالأساس مصلحة المرأة والاسرة والمجتمع.

الحاجة للعمل
في البداية يقول الدكتور جمال الدين محمود الأستاذ بجامعة الأزهر الشريف لقد جرت آيات القرآن الكريم على التسوية بين الرجل والمرأة في خصوص العمل والجزاء المترتب عليه يقول الله تعالى "للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن" ويقول تعالى "فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض" وكذلك الآية الكريمة تدل على التسوية في ثواب العمل وأجره في الدينا والآخرة "من عمل منكم صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون" فالأجر في الدنيا والآخرة متساو للرجال والنساء على عملهم من أجل الدين والدنيا ما دام عملا صالحا ونافعا لمن يقوم به أو لغيره أو للمجتمع كله والله لا يضيع أجر من أحسن عملا  كما يبشرنا القرآن الكريم في آيات عديدة.
وأضاف أن هناك الكثير من الأحاديث النبوية التي تدل على أصل المساواة ومنها قول الرسول – صلى الله عليه وسلم – "النساء شقائق الرجال" وقوله في حجة الوداع "ألا استوصوا بالنساء خيرا فنهن عوان لكم".
وأوضح فضيلته أن عمل المرأة في صدر الإسلام اتسعت مجالاته عما هي عليه الآن – وقد يبدو هذا القول غريبا - ولكنها الحقيقة فقد قاتلت المرأة قتالا فعليا في المعارك التي كانت بين جيش المسلمين وجيوش أعدائهم وكان النساء يصحبن المقاتلين في المعارك ويداوين الجرحى وكان ذلك في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يكن ذلك محل إنكار بل كان محل تقدير لدور المرأة وقد ورد أن النبي الكريم أعطى لمن شاركت من النساء في القتال نصيبا من المغانم.
واستطر قائلا إنه إذا انتقلنا إلى مجالات أخرى  وجدنا أن جميع أنواع العمل كانت مباحة للمرأة لقد كانت المرأة تاجرة تستثمر أموالها وتستأجر الرجال الذين تحتاج إليهم في العمل وكانت المرأة تهتم بكل الأعمال في المنزل أو خارجه ولم يكن هناك إنكار لأي عمل تقوم به المرأة أو محاولة  لمنعها من أداء أي عمل نافع ما دام مباحا ومشروعا ولا تتعرض معه المرأة للابتذال أو المشقة البالغة أو الاختلاط ولذلك فإننا نجد المرأة المقاتلة والتاجرة والمعلمة التي يتلقى عليها الرجال العلم وفي التاريخ الإسلامي لا سيما في عصر التطبيق الإسلامي الكامل وفي عهد الخلفاء الراشدين عرفت الكثيرات من النساء بأعمالهن الكبيرة في مجالات عديدة.
غير أن الدكتور محمود يضع شرطا أساسيا لقيام المرأة بالعمل فيقول "إذا كانت الظروف الاجتماعية أو الاقتصادية ومستوى المجتمعات الإنسانية من حيث التقدم والتخلف هي التي تتحكم في تقسيم الأعمال في مجتمع معين فإننا نستطيع أن نضع قاعدة الإسلام التي تتفق مع الشرع ومع مصلحة المرأة ومع مصلحة المجتمع أن المرأة تعمل إذا احتاجت إلى العمل وإذا احتاج العمل إليها وهذه القاعدة يمكن تطبيقها في كل مجتمع مسلم سليم .
وأشار فضيلته إلى أن الظروف قد تدعو إلى أن تزيد المرأة من مساهماتها في تنمية الأسرة ثقافيا وصحيا واجتماعيا وذلك بالتقليل من مساهمتها في العمل خارج المنزل وفي كل من الحالتين يبقى المعيار ثابتا وموافقا للشرع الإسلامي إن المرأة لها الحق في العمل إذا احتاجت إلى العمل .
التوتر العصبي
وحول معاناة المرأة العاملة يقول الدكتور محمد الدسوقي أستاذ الفقه إن للإنسان طاقة محدودة ويستطيع أن ينهض بها بما يعهد إليه من أعمال في حدود هذه الطاقة فإذا كلف بما فوق طاقته فإنه يعاني من الإرهاق معاناة لا قبل له بها أحيانا ولذا كان من دعاء المسلم "ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به" أي ما يشق علينا ويعسر أن نقوم به وفي الكتاب العزيز أيضا "وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين" أي على الذين يمكنهم أن يصوموا ولكن ينالهم من الصوم عنت ومشقة ترهقهم فلهم الإفطار وعليهم الفدية.
وأضاف فضيلته أن المرأة العاملة تعمل سحابة النهار وجزءا من الليل لأنها تمضي إلى عملها في الصباح بعد إعداد ما يحتاجه البيت والأولاد وتعود إلى بيتها بعد الظهر لتبدأ بعد عودتها في أعمال البيت وقد لا تنتهي منها قبل الغروب ما دام ليس لها خادمة تعاونها ولا يمد إليها زوجها يد المساعدة فهي من ثم ترهق إرهاقا شديدا وقد تصبر بعض الصبر ولكن لأن للطاقة البشرية حدودا فإن الزوجة العاملة تتعرض لمتاعب جسمية وعصبية تزداد يوما بعد يوم إلى أن تصل إلى درجة التوتر العصبي العنيف الذي يترجم عنه الانفعالات الحادة  والألفاظ  القاسية والتصرفات غير المنطقية.
وأوضح فضيلته أن الزوج إذا لم يكن مقدرا لما تبذله فلا يعبأ بما يصدر عنها بسبب إرهاقها وهذا الموقف من الزوج يزيد الأمر تعقيدا ويضاعف من حدة الإرهاق الذي قد يبلغ درجة الانهيار وفي هذا تدمير لحياة الأسرة.
وأشار الدكتور الدسوقي إلى أن التوتر العصبي هو نتيجة طبيعية للعمل المضاعف الذي تقوم به الزوجة ونتيجة لسلبية الزوج وعدم تعاونه مع زوجته وهو يتحمل ما قد ينجم عن هذا التوتر من أضرار للزوجة والأولاد فالزوجة قد ينزل بها مرض نفسي عضال لا يرجى برؤه فتعيش بقية عمرها تعيسة فاقدة الاهلية.
وقال أما فيما يخص الأولاد فإن تصرفات أمهم تدخل على مشاعرهم القلق والخوف من المستقبل فتضمحل لديهم طاقة التفكير السليم فلا يوفقون في دراساتهم وقد يحملهم ما ينشب بين الوالدين من اختلافات بسبب هذا التوتر إلى الهروب من البيت أو الوقوع فريسة لقرناء السوء وتجار السموم.
مشكلات ومتاعب
أما الدكتور إمام عبدالله ( دكتوراة في الفلسقة الإسلامية) فيقول إن حكمة الإسلام في اشتراط توفر الضرورة في عمل المرأة تتجلى لنا يوما بعد يوم إذ كان بعض المغرضين يحاولون أن يصوروا هذا الموقف الإسلامي باعتباره موقفا متخلفا ورجعيا وهو الأمر الذي انساق وراءه وبكل أسف بعض من أبناء جلدتنا.
وأضاف الدكتور عبد الله لقد خدع الغرب المرأة في أعقاب الحربين العالميتين الأولى والثانية فحاول أن يقنعها بضرورة الخروج للعمل والمشاركة في البناء الاقتصادي للمجتمعات الأوروبية التي كانت تعاني من نقص في الأيدي العاملة بعد أن غيبت الحربان الملايين من أبناء أوروبا فلما خرجت الأوروبيات للعمل وجدت الكثيرات منهن أنهن يقمن بأعمال شاقة لا تتناسب وطبيعتهن الضعيفة والرقيقة في حين انغمست الآخريات في أعمالهن حتى نسين دورهن الحقيقي وها هن اليوم يصرخن ويتظاهرن مطالبين بالعودة مرة أخرى للمنزل والأسرة.
وأوضح الدكتور عبدالله أن الإسلام لا يمانع في أن تخرج المرأة للعمل إذا كانت هناك ضرورة حقيقية وملحة تدعوها لذلك أما إذا كان دافع المرأة للقيام بهذا خارج عن حدود الضرورة فهي بذلك تظلم نفسها أشد الظلم بل وتظلم أسرتها ومجتمعها إذ أن الدور الرئيس للمرأة هو داخل بيتها وبين أسرتها وهو دور لا يقل أهمية بل يفوق الدور الذي يقوم به الرجال إذ هي المسئولة الأولى عن تربية النشء الجديد وإعداده لتحمل مهماته المقبلة.
وأشار الدكتور عبد الله إلى أن المرأة العاملة تعيش حياة مليئة بالمتاعب والمشكلات الخاصة التي لا تنتهي إلا بأحد أمرين إما تركها للعمل وإما فشلها في حياتها الزوجية وهدمها لأسرتها مضيفا أن فشل حياتها الزوجية سيدخلها في دوامة أخرى من المشكلات التي ربما لن يكون لها علاج وبالتالي فإن الأفضل هو أن تفكر المرأة جيدا في مسالة استمرارها في العمل إذا كان سيؤثر ذلك بالسلب على حياتها الأسرية.
وقال الدكتور عبد الله إنني لا أتصور أن تكون هناك امرأة عاملة حققت ما تريد من نجاح في عملها وبلغت أقصى ما تتمناه وقد فشل أولادها سلوكيا وتعليميا واجتماعيا فمثل هذه المرأة نموذج فاشل بجدارة لأنها اهتمت بالثانوي على حساب الأساسي والرئيسي وبالتالي فإنها وإن بدت سعيدة تعيش قمة التعاسة في داخلها وهو ما سيصل بها في مرحلة معينة إلى أزمة نفسية ربما لا تستطيع الخروج منها أبدا.
انهيار الأسطورة   
من جانبها تصف لنا الباحثة الإسلامية فاطمة عبد الرؤوف حال المرأة العاملة فتقول "أخيراً عائدة إلى البيت.. قالتها لنفسها وهي واقفة في السيارة ولا تكاد قدماها تحملانها دارت في رأسها كل متاعب اليوم التي لا تنتهي أبدا إلا لتبدأ من جديد خاصة اتهام المدير لها بالإهمال وتعنيفها للتأخر دوماً عن موعد الدوام، تدور عيناها في المكان بحثاً عن مقعد ترتمي فيه فلا تقابلها إلا الرائحة الخانقة للزحام تنشغل بالنظر من النافذة فلا ترى إلا صورة تشبهها كثيراً ولكنها في سيارتها الخاصة الواقفة في إشارة المرور في تحد قاتل للأعصاب تكاد تمتزج دقات الساعة بدقات قلبها المتلهف إلى الوصول وإلى فلذات الأكباد الذين وصلوا إلى المنزل تدور بعقلها العديد والعديد من الهواجس السيئة عن الحوادث المنزلية تكاد يد باردة قاسية أن تعتصر قلبها وماذا عن الصغير الذي لا يزال ينتظر في الحضانة".
وتتابع " أخيراً تتحرك السيارة بعد أن يكون ضغط الدم قد ارتفع والأعصاب على وشك الانهيار.. لحظات وتلتقي الصغير الذي مل الانتظار فنام وعندما تحتضنه يفتح عينيه الصغيرتين في عتاب صامت إلى هنا تبدأ المرحلة الثانية من المأساة التي كانت يوماً أسطورة أعني أسطورة الأم العاملة فبمجرد أن تلمس قدماها أعتاب المنزل تدور في رأسها شريط المهام المطلوبة طهي غسيل أطباق تنظيف الحجرات غسيل متراكم كي.. الجميع يساعد في حركة دائبة ولكن المطلوب هو دوما أكبر من كل الجهود في وسط المعركة الدائرة لا تنتبه الأم لصوت طفلتها وهي تحكي لها عن صديقتها الجديدة وتشيح بوجهها عن ابنها الكبير وهو يسأل عن مسألة دراسية ولكنها تنفجر في وجه الصغير الذي سكب الطعام على الأرض التي نظفتها للتو تلتفت لتنظر إلى زوجها الذي كان يقوم بالكي فتجده منزوياً في فراشه وحيداً وقد جلس مشدوهاً أمام إحدى الأغنيات الفاضحة وعندما تدخل إليه في الحجرة يلقي نظرة إليها وأخرى على المرأة شبه العارية على الشاشة ثم يبتسم لها ابتسامة ساخرة ذات مغزى تجعل قلبها يهوي إلى قدميها تتوقف الكلمات الحادة على شفتيها فلا جدوى منها إلا مشاجرة المساء المعتادة تجرجر قدميها خارجاً وتتحجر في عينيها الدموع ويغص قلبها بالمرارة ويظل السؤال الملح يطرق رأسها طرقاً: هل أخطأت حين أصبحت أمّاً عاملة ؟!"
وتضيف الباحثة أن هذه ليست قصة مختلقة للتنفير من عمل المرأة بل إنها قصة واقعية بلا رتوش للملايين من الأمهات العاملات قد تختلف بعض التفصيلات الصغيرة هنا وهناك لاختلاف الظروف بين امرأة وأخرى ولكن يبقى الجوهر المأساوي لعمل الأم خارج المنزل بدوام كامل .
وأوضحت أن هذا الكلام ليس مجرد كلام إنشائي منمق يتبناه الإسلاميون ويريدون ترويجه لأنهم ضد أن تتحقق المرأة ذاتياً كما يزعم المتغربون في بلادنا ولكنه كلام علمي جاء من قلب الغرب ذاته فقد كشفت دراسة بريطانية حديثة عن وجود "قلق متزايد" إزاء تأثر الحياة الأسرية للأم العاملة التي تحاو ل الموازنة بين متطلبات العمل وتربية ورعاية الأطفال حيث أوضحت الدراسة التي أجرتها جامعة كامبريدج ونشرت نتائجها الصحف البريطانية أن عدداً متزايداً من الرجال والنساء البريطانيين - وليس من العرب المسلمين - أصبحوا يعتقدون أن المرأة مكانها في المنزل وأنه من المستحيل أن تكون أماً خارقة أو أماً "سوبر" من خلال الوفاء بالتزامات العمل بالإضافة لرعايتها أسرتها خاصة إذا كان لها أطفال صغار.
وأكدت الباحثة أن ما يسمى بأسطورة الأم الخارقة بدأت تتهاوى فلم يعد واقعياً بالنسبة للقدرات العادية للمخلوق البشري قيام المرأة بمهن تتطلب مهارات عالية وفي الوقت نفسه تقوم بإعداد الكعك وقراءة قصص ما قبل النوم لأطفالها".

 

أضف تعليقاً
This is a captcha-picture. It is used to prevent mass-access by robots. (see: www.captcha.net)