مع اتساع رقعة العلاقات في المجتمع بين الرجل والمرأة وتشابكها، نشأت علاقات جديدة بينهما، صحَّ تسمية بعضها زواجًا، وبعضها الآخر لا يصح أن يسمى كذلك لمخالفته الظاهرة للشريعة وما اقتضته سنة الله تعالى في التآلف والاجتماع بين قلوب الأزواج ومراعاة الحقوق الاجتماعية والشرعية لكلا الطرفين؛ فمن هذه الأصناف زواج المتعة والزواج السري المسمى "عرفيًا" وزواج المسيار وزواج الفريند، وبعضها الآخر يدعو إلى الدهشة والسخرية أكثر مما يدعو إلى التأمل في مدى شرعيته ومدى موافقته للشريعة والنظر في مضاره ومفاسده، منها زواج الطوابع وزواج الكاسيت وزواج الدم وزواج الوشم وغير ذلك من العلاقات المحرمة التي يحاول المروجون لها إلباسها لباس الزواج وهو منها براء.
تنتشر –مع الأسف- هذه الأنواع الغريبة من العلاقات التي تسمى زواجًا بين شباب الجامعات في البلدان العربية المختلفة التي سمحت بالاختلاط بين الجنسين، ولم تر غضاضة في تكوين صداقات غير شرعية بين الشباب والفتيات، فحاول الشباب ابتكار غطاء شرعي على علاقاتهم المشوهة فأضفوا عليها طابع الزواج، في حين أنها –بجانب كونها علاقات محرمة- تنطوي على قدر هائل من المفاسد والمضار على الشباب والمجتمع من ورائهم.
تفتقر هذه الأصناف من الزواج في الأغلب إلى قدر –ولو ضئيل- من السكن والمودة والرحمة التي هي من الأهداف الكبرى المتحققة من الزواج، فهي مجرد علاقات عابرة بين الشباب والفتيات، يقضي فيها كل منهما شهوته، غير عابئ بما يترتب على ذلك من مفاسد دينية ودنيوية عليه وعلى طرفه الآخر؛ فالمودة والرحمة، والسكن والمحبة، كل منها كفيل بأن يفكر كل طرف في مغبة هذه العلاقة وتأثيرها في شريكه، ولكن لغياب مثل هذه المفاهيم في تلك العلاقات الشائهة، وكونها مجرد نزوات جنسية عابرة، فإن الغشاوة تطبق على عيون الطرفين، فلا يفاجآن بالمصيبة ولا يعضان أنامل الندم إلا بعد فوات الأوان، ولات حين مندم.
لقد وصف الله تعالى الزواج الذي هو سكن ومودة ورحمة وحقوق متبادلة بين الزوجين بالميثاق الغليظ؛ فقال تعالى: (وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً) [النساء: 21]، فعقد الزواج ميثاق غليظ في مراعاته للحقوق والواجبات، وميثاق غليظ في ضرورة الأخذ به واتباع الأحكام المترتبة عليه، فهو ميثاق النكاح باسم الله وعلى سنة الله، وهو ميثاق غليظ لا يستهين بحرمته قلبٌ مؤمنٌ، فالله سبحانه يخاطب الذين آمنوا ويدعوهم بهذه الصفة –صفة الإيمان- أن يحترموا هذا الميثاق الغليظ، ولا يتلاعبوا به يمينًا وشمالاً، وكيف لا يحترمونه وقد أخذوا نساءهم بأمانة الله، واستحلوا فروجهن بكلمة الله؟!
لقد أنتجت هذه الزيجات مجتمعًا متفسخًا، لا يحترم ذلك الرباط الشرعي المقدس، ولا يحترم الحياة في ظلاله، فهان على النفوس السعي إلى الطلاق وخراب البيوت، بغير خوف من الله تعالى، أو رهبة من تقطع الأرحام وأواصر المصاهرة المترتبة على هذا الزواج، فتخلخل مفهوم الأسرة، وبات أضعف ما يكون، في وقت تكالب فيه الأعداء من كل جانب لزعزعة المفاهيم الإسلامية حول الأسرة واحترامها صيانةً للمجتمع الذي ما هو في النهاية إلا مجموعة من الأسر الصغيرة.
ومن جانب آخر هان أمر استحلال الفروج بين الناس –لاسيما الشباب-، وتساهل الكثيرون في إنشاء العلاقات المحرمة؛ تأثرًا بالغرب وما يبثه في إعلامنا ليل نهار، وتنفيذًا لأجنداته التي يسعى لفرضها فرضًا على الدول الإسلامية، إشاعةً للانحلال وإفسادًا للنساء والفتيات والشباب، وهدمًا للقيم الإسلامية الرفيعة.


