رغم أن قضية العنف ضد المرأة ليست شأنًا تختص به المجتمعات الإسلامية أو العربية فقط بل يعد ظاهرة عالمية، وتبلغ نسبة العنف ضد المرأة في أكثر المجتمعات الغربية تقدمًا نسبًا كبيرة، ومع ذلك نجد البعض يحاول أن يلصق تلك القضية الإنسانية التي لا تختص بمجتمع أو عرق معين بالإسلام عامة أو بالمجتمعات العربية فقد أثبتت الدراسات أن واحدة من كل ثلاث نساء في العالم تعاني من أثار خطيرة مرتبطة بالعنف، ومع ذلك فهذا لا يدفعنا أن نغمض العين عن ظاهرة سلبية في مجتمعاتنا بل على العكس فقيم الإسلام تدفعنا أن نبغي الإصلاح ونصلح الفساد، ونصحح المفاهيم، خاصة أن موروثنا العلمي والقيمي يشين مثل هذه الممارسات ويدفع لقيم الرحمة والمودة.
صور العنف:
يقول د.تركي بن محمد العطيان أستاذ علم النفس المشارك في كلية الملك فهد الأمنية ـ في حديثه عن صور العنف ـ: العنف داخل الأسرة قد يكون مادياً ساخناً من ضرب عنيف وشديد (ويظهر ذلك على الجسم)، أو الضعيف أو المتوسط، أو يكون معنوياً بارداً؛ وهو باللفظ والسلوك والمعاملة السيئة (لا يدخل فيها اعتداء بدني) وهذا أشد أحياناً من الأول ويوجد أكثر لدى الطبقة الغنية والمتعلمين؛ لأنها تخشى الفضيحة مثل المحامين وأساتذة الجامعة والأطباء وحتى المتخصص في علم النفس أو الاجتماع؛ لأن الكمال لوجه الله.
من جهته أوضح الشيخ سلمان العودة أن العنف تتعدد صوره، فهو ليس مقصوراً على الضرب فقط وإنما هو ظاهرة عامة، حتى إن العنف ليظهر في: صرامة الملامح عند بعض الناس، والعدوان اللفظي: فبعض الناس لغتهم فيها حدة وصرامة ويعتبرون معيار القوة هو استخدام لغة الشدة والعنف، وكذلك العنف ضد الأشياء كتدمير المرافق والممتلكات.
ولفت إلى أن ضعف المرأة هو ضعف فطري والمرأة لا تُمدح بأنها مفتولة العضلات وإنما كلما كانت أكثر نعومة مدحت بهذه الصفات وهذا مدعاة للرجل لأن يقوم بحماية المرأة وأن يكون أكثر رحمة وعطفاً بها.
العنف رؤية شرعية:
يقول الشيخ د. سعيد بن غليفص القحطاني إمام وخطيب جامع التويجري بالرياض وأستاذ العلوم الشرعية في إدارة التربية والتعليم بالرياض: الإنسان لا يظهر على حقيقته إلا حينما يكون في جوف بيته مع أسرته؛ والذي ليس فيه خير لأهله ليس فيه خير للناس، وإن مما يندى له الجبين وتدمع منه العين، ويحزن لأجله القلب، ما يرد إلى أسماعنا بين الفينة والأخرى من حوادث مفجعة وعنف أسري بين ذوي الأرحام والقرابة. فهل يعقل أن الزوج يقتل زوجته غيلة؟!
وقال إنه كلما ضعف الوازع الديني وازدادت المؤثرات الخارجية أصبح الإنسان فريسة سهلة لهذا الداء العظيم؟
وركّز الشيخ الدكتور سلمان العودة على تفنيد ما ينسبه أو يعتقده البعض خطأً عن الإسلام بشأن إباحة العنف ضد المرأة، مشيراً إلى أن قوله تعالى (واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن) يعد النص القرآني الوحيد الذي فيه إشارة إلى الضرب، لكن لم يقل أحد من أهل العلم أن الضرب هنا معناه إطلاق يد الرجل ليضرب زوجته متى شاء وكيفما شاء.
وأوضح أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: أيها الناس لا تضربوا إماء الله، لا تضربوا إماء الله، كما أتت نساء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يتشكين ظلم الأزواج، فصعد النبي على المنبر وخطب قائلا (لقد طاف بآل محمد نساء كثير يشكين أزواجهن، وليس أولئك بخياركم .
للتدليل على المقصد القرآني بالضرب، ضرب الشيخ سلمان العودة المثل بما باشره النبي صلى الله عليه وسلم مع عائشة رضي الله عنها لما ذهب إلى أهل البقيع يدعو لهم وقد ظنت أنه خرج لزوجة أخرى، حيث كان ضربه ملامسة لصدرها بطرف أصابعه إشارة إلى أن فعلها ليس صواباً. بل إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يضربن أحدكم امرأته ضرب الأمة ثم يضاجعها.
واعتبر أن طبيعة العلاقة الزوجية تقتضي أن تكون حميمة وألا يكون الضرب إلا في حالات خاصة محدود جداً وبطريقة محدودة جداً، ولهذا فإن الله تعالى ذكرها في حالة النشوز فقط، وقد بدأ الله سبحانه الآية بالتوجيه بالوعظ والتنبيه ثم الهجر، حتى إن الهجر يكون وفق ضوابط وليس وسيلة للابتزاز كما أن الهجر ليس مطلقاً. ولئن لم تُجد الوسائل وبدلاً من تفاقم المشكلة فلمسة خفيفة من الرجل تكون سبباً في إدراك المرأة أن الوضع يحتاج مراجعة.
وأشار الشيخ العودة إلى أن قيام بعض الرجال بممارسة الضرب ضد زوجاتهم متأثراً في ذلك بطبيعته البشرية فهذا يمكن فهمه، ولكن أن يستدل بالنص الشرعي في تسويغ ما يمارسه فهذا مرفوض، مشدداً على أن الإسلام أعلن حرباً على العنف الأسري سواء أكان موجها إلى الطفل أو الأولاد أو المرأة، وسواء تمثل في أبشع صوره: القتل كما في قوله تعالى: ( ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق) وكما في قوله سبحانه (وإذا المؤدوة سئلت).
وبين فضيلته أن كثيرين يحتجون بأحاديث ليست صحيحة مثل حديث (ولا ترفع سوطك عنهم أدباً وأخفهم في الله) وهذا سنده ضعيف، وكذلك الأمر بالنسبة لحديث (علق السوط حيث يراه أهل البيت)، فالبعض لا يكادون يحفظون ولا يفهمون في التربية إلا هذه الأحاديث وكلها ضعيفة، فضلاً عن أن البعض يجد فيها ما يستجيب لنزعته لاستخدام العنف.
وفيما يتعلق باستشهاد البعض بحديث النبي صلى الله عليه وسلم :" لا يسأل الرجل فيم يضرب امرأته"، شدد الشيخ العودة على أن كل الناس سوف يسألون يوم القيامة عن كل صغيرة وكبيرة، وبالتالي فإن الحديث لا يعني أن يسيء الرجل إلى زوجته إساءة بالغة أو بالتعذيب ولا يكون عرضة للسؤال، لأن الحقوق محفوظة، وإنما المقصود والله أعلم هو أنه ليس من المروءة أن يتطفل شخص أجنبي على قضية عائلية كتلك.
أسباب العنف:
تلعب ثقافة المجتمع دورًا كبيرًا في هذا الشأن، لأننا نتبادل ثقافة تكرس أحقية الرجل في الضرب، حيث تشير الإحصائيات إلى أن 50% من الشباب الذين يضربون زوجاتهم رأوا آباءهم يضربون أمهاتهم.
ووصف الشيخ العودة الأسرة بأنها "محضن آمن"، ولذا فإنه عندما يأتي العنف منها فهذه مصيبة لأن المشكلة جاءت من حيث تنتظر الحماية والحل، مشدداً على أن البيت ينبغي أن يكون "مثابة وأمناً" لمن بداخله كما هو وصف بيت الله الحرام.
وعن دوافع العنف الأسري يقول الدكتور عبدالله بن دهيم, أن هناك ثلاثة دوافع, منها الدوافع الذاتية, وهي تلك الدوافع التي تنبع من ذات الإنسان، ونفسه، والتي تقوده نحو العنف الأسري، والدوافع الاقتصادية
ونقصد بها تفريغ شحنة الخيبة والفقر الذي تنعكس آثاره بعنف من قبل الأب إزاء الأسرة, وأخيرا الدوافع الاجتماعية, ونقصد بها العادات والتقاليد التي اعتادها مجتمع ما والتي تتطلب من الرجل ـ حسب مقتضيات هذه التقاليد ـ قدرا من الرجولة في قيادة أسرته من خلال العنف، والقوة، وذلك أنهما المقياس الذي يبين مقدار رجولته، و إلاّ فهو ساقط من عداد الرجال.
و هذا النوع من الدوافع, كما يقول دهيم, يتناسب طرديا مع الثقافة التي يحملها المجتمع، وخصوصا الثقافة الأسرية فكلما كان المجتمع على درجة عالية من الثقافة والوعي، كلما تضاءل دور هذه الدوافع حتى ينعدم في المجتمعات الراقية، وعلى العكس من ذلك في المجتمعات ذات الثقافة المحدودة، إذ تختلف درجة تأثير هذه الدوافع باختلاف درجة انحطاط ثقافات المجتمعات.
أما الباحثة بدرية العربي فهي أسباب العنف الأسري إلي ثلاثة أقسام ,أولها الأسباب الذاتية,وهي ترجع إلي شخصية القائم بالعنف كأن يكون لديه خلل في الشخصية بمعاناته من اضطرابات نفسية أو تعاطي المسكرات والمخدرات، أو يكون لديه مرض عقلي.
وتقول الباحثة أن هناك أيضا أسباب اجتماعية والتي تتمثل في الظروف الاجتماعية الاقتصادية، مثل الفقر أو الدخل الضعيف الذي لا يكفي المتطلبات الأسرية، أو حالة المسكن أو المنطقة التي يعيش فيها أو نمط الحياة الأسرية بشكل عام، وكثرة المشاحنات نتيجة للظغوط المحيطة أو عدم التوافق الزواجي، كذلك المستوي الثقافي وكيفية قضاء وقت الفراغ، والمستوي العلمي لأفراد الأسرة ونوع المهنة التي يقوم بها القائم بالعنف.
وتضيف بدرية العربي أخيرا الأسباب المجتمعية كالعنف المنتشر والأحداث العربية والعالمية التي تنتقل عبر الفضائيات والانترنيت فالتغيرات التي تحدث في المجتمع الكبير تنتقل وبشكل غير مباشر إلي المجتمعات الصغيرة.
د.تركي بن محمد العطيان أستاذ علم النفس المشارك في كلية الملك فهد الأمنية ولكن هناك تراكمات وتربية وإدراك وتفكير وتاريخ نفسي تدعمه الضغوط النفسية للحياة، مثل الحاجة للعمل من أجل المال وخروج الزوجة للعمل، وعدم راحتها ما يولد الشجار أحياناً، بأن هناك بعداً عاطفياً وعدم تحمل مسؤولية وبهذه التراكمات يتولد العنف؛
العلاج:
أما عن علاج تلك الظاهرة فيرى د.تركي بن محمد العطيان أستاذ علم النفس المشارك في كلية الملك فهد الأمنية أن علينا جميعاً أن نفرق بين العمل والمنزل، وأن يلجأ الفرد للراحة والاستجمام ولو برحلة برية هادئة أسبوعياً، بعيداً عن ضغوط الحياة من عمل وإعلام (حروب ومشاكل) ويخرج في الهواء الطلق معوداً نفسه على الراحة والتأمل؛ لأن الأخير فيه علاج نفسي وديني رائع كما تثبت البحوث ذلك.
حلوله المقترح يشير الدكتور فواز الدرويش إلى أهمية الوعظ والإرشاد الديني لحماية المجتمع من مشاكل العنف الأسرى إذ أن تعاليم الدين الإسلامي توضح أهمية التراحم والترابط الأسري.
في حين أشار الشيخ العودة إلى أهمية الخطاب الديني، حيث أنه خطاب الرحمة للناس، فالشريعة مبنية على الرحمة، وعالم الدين مسئول عن نشر قيم التسامح والرفق،. ولهذا ينبغي على الخطاب الديني أن يكون واضحاً ومعبراً عن الصفاء مراعياً قدراً كبيراً من الرحمة التي جاء النبي صلى الله عليه وسلم بها.
ويمكن إجمال علاج تلك القضية في:
1ـ الرجوع إلى الفهم الصحيح للشريعة الإسلامية والتي تعطي للمرأة كامل حقوقها وعزتها وكرامتها، كما تقدّم لها الحماية والحصانة الكاملة.
2ـ نشر تلك الحقائق الدينية وتوعية الرجل و المرأة بها، من حيث توعية كل طرف بحقوقه وواجباته الزوجية.
3ـ قيام مؤسسات التوجيه في المجتمع من مؤسسات التعليم إلى الإعلام بدور في زرع قيم التسامح والحوار في الأطفال منذ الصغر عن طريق دمج هذه القيم في المناهج الدراسية، وتوضيح الدور الاجتماعي الذي يقوم به كل من الذكور والإناث في هذه الحياة.
يبقى أن نشير أن جرائم الاغتصاب بلغت في أمريكا عام 1995م أكثر من 97 ألف جريمة، وجرائم قتل النساء دون غيرهن عام 1995م بلغت 4700 جريمة.وقد كشفت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) عن تهريب نحو 50 ألف امرأة وطفلة إلى الولايات المتحدة سنويًا، وإجبارهنّ على مُمارسة البغاء أو العمل كخادمات في ظروف مشينة. وكشف تقرير عام قام بإعداده فريق بحث من جامعة (جون هوبكنز) بـولاية ميريلاند في الولايات المتحدة أن 2 مليون امرأة وطفلة يتم بيعهن كعبيد سنويًا.
فالحمد لله أن مجتمعاتنا الإسلامية لم تصل لمثل هذا الحد من الانحدار الأخلاقي والعنف ضد المرأة، وإن كنا ما زلنا نرجو أن ندفع عن أنفسنا بعض المفاهيم التي ارتبطت بواقعنا نتيجة الموروثات الخاطئة.


