تحقيقات
التحرش الالكتروني..هل من تشريع رادع؟!


التحرش الجنسي يعد أزمة أخلاقية وعملا من أعمال العنف الاجتماعي التي انتشرت بصورة وبائية في مجتمعاتنا العربية والإسلامية بما يعكسه من نظرة دونية للمرأة, وبما يؤدى إليه من معاناة نفسية وجسدية للضحية..
وقد تنامت أعمال التحرش واتخذت أشكالا جديدة في ظل الإمكانيات المتطورة ومنها الهواتف النقالة والرسائل الالكترونية, فافرز ما يمكن تسميته بالتحرش الالكتروني, إذ أضحى الإنترنت والهواتف المحمولة والرسائل القصيرة "إس. م. س"، وسائل للتحرش بالمرأة والفتاة عن بعد.
وفي هذا التحقيق يطرح موقع "وفاء لحقوق المرأة" قضية التحرش الالكتروني للمناقشة ،موضحا مظاهره وأسبابه, والحاجة إلى تشريع رادع لمنعه..
معنى التحرش الالكتروني:
التحرش الالكتروني هو استخدام وسائل الاتصال الحديثة كالهاتف الجوال وشبكة المعلومات (الانترنت) في التواصل مع المرأة بصورة غير شرعية بقصد الإضرار بها جنسيا وابتزازها اجتماعيا.
فتاة الباندا:
"فتاة الباندا" كانت الشرارة الأولى وبداية  إثارة القضية بعد أن قام شابان سعوديين وآخر نيجيري باغتصاب فتاة وتصويرها بهاتف "نوكيا" عرف في ذلك الوقت بمسمى"الباندا" ونشروا صورها عبر (البلوتوث) ومواقع الإنترنت لتحدث جدلا واسعا في المجتمع السعودي ووسائل الإعلام وجمعية حقوق الإنسان.
وهزت تفاصيل هذا البلوتوث المجتمع السعودي الذي شعر بالخوف من تحويل هذه التقنية إلى وسيلة مخيفة ومرعبة وأداة جريمة لتفريغ الأحقاد والكراهية.
واستمر انتشار الفضائح عبر تداول المقاطع المرئية والمصورة بين الهواتف المحمولة، ووقع المجتمع في انقسام وحيرة في نفس الوقت ما بين مؤيد ومتقبلا للتقنيات الحديثة والاستفادة منها في المفيد، وما بين معارض ومحارب لفكرة انتشارها وبيان مساوئها.
نقمة أم نعمة؟
"سعاد بن خالد" من الرياض تقول أن التقدم التكنولوجي الذي يشهده العالم، يعد خدمة كبيرة للإنسانية، ويجب توظيفه لإنجاز مصالح الناس ولكن إذا استعمله البعض الاستعمال الساذج كالذي نشاهده في البلوتوث من مقاطع تافهة وسيئة يصبح وبالا.. ويعتبر طفرة تقنية في عالمنا ولكن وللأسف أصبح نقمة بسبب هؤلاء السذج الذين تعدوا حدود العادات والتقاليد.
فيما تقول "نورة السعيد" أن تقنية البلوتوث اعتبرها مقياس لدرجة وعينا في التعاطي مع العالم، لأنها تعتبر إفرازا طبيعيا لثورة العلم والتقنية، فإذا كان العلم الذي يخدم البشرية ويسهم في تطويرها، نستخدمه نحن لهدم قيمنا، وفي المساس بحرية وأعراض الآخرين، ثم يكون وبالا علينا جميعا، فإن هذه كارثة إنسانية وحضارية لا تليق أبدا بأمة الحضارة والثقافة التي بسطت مفاهيمها بطول الكرة الأرضية وعرضها، فنحن بحاجة إلى إعادة قراءة لواقع البلوتوث.
أما "محمد الخالدي" فيقول أن تجربة البلوتوث أحدثت هزة عنيفة في مفاصل مجتمعنا السعودي، حتى عصفت بثقة الناس وبكل ما تأتي به التقنية، لأن وجودها بين أيدي من لا يحسنون استخدامها أصبح وبالا على بقية أفراد المجتمع وخصوصا الذين صاروا ضحايا لهذه الظاهرة حيث عمد البعض على توظيفها للتشهير بأعراض الناس وتبادل الصور والرسائل الفاضحة وغير اللائقة، وهذا ترك انطباعا سيئا عنها يصعب تغييره أو تصحيحه في ظل تمادي الكثيرين وإصرارهم على الفهم الخاطئ للبلوتوث والاستخدام السيئ لها.
عوالم وهمية:
وفي تقرير لها عن التحرش الالكتروني قالت صحيفة "الحياد" السعودية أن عالم الشات والدردشة التي تبدو في ظاهرها تعارفا شخصيا وصداقات عابرة صار عبارة عن سوق للتحرش الالكتروني ومفتوح للصغار والكبار معا من النساء والرجال.
وتضيف أن مربع الشات يُنشىء عوالم وهمية من الجنس والتحرش الإلكتروني ويفكك جدران البيوت المغلقة دون أن يلتفت إليه احد, مضيفة أن أكثر من نصف الفتيات في سن المراهقة يدخلن على غرف الدردشة وما يسمى بمنتديات الانترنت تلبية لدعوات جنسية يتعرضن من خلالها للتحرش الجنسي أحيانا كثيرة، وأن معظم الفتيات اللواتي يدخلن هذه المنتديات يتلقين اتصالات عبر الانترنت من أشخاص يريدون مناقشة أمور الجنس معهن أو يطلبون من الفتيات إرسال صور شخصية لهن.
وتضيف أن معظم الفتيات في المملكة اعتدن الدخول على غرف الدردشة وما يسمى منتديات الانترنت دون الكشف عن هوياتهن الحقيقية لإغراء الشباب وكذلك يقوم الشباب بنفس الطريقة، والنتيجة اقتناص الجنس المحرم.
وتختم بقولها أن في المملكة رقابة صارمة على مواقع الجنس إلا أن الشباب يجدون دائما المداخل والمخارج ويتحايلون على الموانع بشتى الطرق والوسائل، وهذا صار سببا للكثير من مشاكل الطلاق بين الأزواج ومصدر خلاف كبير بين المراهقين وأهاليهم بل تعدى إلى أن أصبح مصدرا للابتزاز الذي وصل إلى ردهات المحاكم السعودية.
ابتزاز متعدد:
"يا تدفعي 6000 ريال أو جهزي كفنك"..عبارة كتبها وافد يمني ضمن سلسلة تهديداته وابتزازه وتحرضه بفتاة سعودية.
وتعود تفاصيل القضية إلى علاقة غير شرعية ربطت بين الوافد والفتاة كانت خيوطها الأولية قد نسجت عبر الانترنت حيث تمكن الشاب من الحصول على صور للفتاة عبر علاقتهما التي استمرت ستة أشهر قبل أن تقرر الفتاة قطعها لظروف زواجها، إلا أنها فوجئت برسائل التهديد وصورها الشخصية تصلها على البريد الالكتروني لشقيقتها، بالإضافة إلى اتصالاته ورسائله المتكررة على جوالها وآخرها تلك التي هددها فيها بالفضيحة أمام أسرتها وأقاربها ما لم تدفع له مبلغ ستة آلاف ريال.
 وعلى اثر هذه الاتصالات والتهديدات سارعت الفتاة إلى إبلاغ هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بجدة الذي توصل إلى الوافد وأحال قضيته لهيئة التحقيق والادعاء العام وانتهت التحقيقات معه إلى توجيه عدة تهم إليه من بينها إقامة علاقات محرمة مع عدد من الفتيات ومحادثة بعضهن عبر الماسنجر وحيازة مقاطع جنسية والتقاط صور لفتيات وهن في أوضاع فاضحة بغية ابتزازهن للحصول على مبالغ مالية.
الانفتاح التكنولوجي:
وحول ارتفاع معدل حالات التحرش الالكتروني وأسبابه, قال الدكتور عبد الله اليوسف أستاذ علم الاجتماع والجريمة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية  أن أبرز أسباب ظهور مثل هذه الحالات هو الانفتاح التكنولوجي من خلال الإنترنت والقنوات الفضائية, مما ساهم في إيجاد مثل هذه الحالات.
وحذر اليوسف أولياء الأمور وربات المنازل من عدم الالتفات إلى أبنائهم وتوعيتهم للتحرش، مضيفا أنه حتى في البيت يجب مراقبة سلوك الأبناء ومتابعة سلوكهم.
وعن الإجراءات التي يجب اتخاذها لمعالجة هذه الظاهرة طالب الدكتور المؤسسات الحكومية بتنفيذ حملات توعية والاستمرار فيها لإرشاد المجتمع,ما دعا أيضا لإصدار قوانين رادعة يعرف الجاني من خلالها أنه سيقبض عليه بنسبة 99% ، من خلال وضوح القانون وتطبيقه دون مراعاة لشخصية الجاني أو مكانته في المجتمع .
هوية مثيرة:
وعن الأسباب المؤدية للتحرش الالكتروني أظهرت دراسة أمريكية أن التعرّض لسوء المعاملة في الطفولة, واستخدام هوية مثيرة على الانترنت يزيد من احتمالات تعرّض الفتيات للأذى على الشبكة الالكترونية.
ونقلت شبكة "سي. إن. إن" الإخبارية الأمريكية عن دراسة نشرت في مجلة طب الأطفال بشأن المخاطر التي تتعرض لها الفتيات لدى استخدامهن الانترنت أن اللواتي عشن طفولة سيئة هن أكثر عرضة للاستغلال والأذى على الانترنت.
ونصحت الدراسة أهالي المراهقات بمراقبة استخدامهن للشبكة, مشيرة إلى أن اللواتي وقعن في السابق ضحية تحرشات جنسية أو يستخدمن صورا مثيرة يزدن من مخاطر التعرض للأذى.
ولفتت الدراسة إلى أن طريقة تقديم الفتيات لأنفسهن على الشبكة من خلال الصورة أو الاسم يشكل أحيانا دعوة للاستغلال أو التحرش الجنسي, مضيفة أن طريقة تقديم الناس لأنفسهم يمكن أن تغير الطريقة التي يتفاعل بها مستخدمو الانترنت.
وتناولت الدراسة 104 فتيات تعرضن للاستغلال مقابل 69 لم يعترضن لأي نوع من التحرش وتراوح أعمارهن بين 14 سنة و 17 سنة.
وأظهرت الاختبارات أن 40% من الفتيات تعرضن للتحرش على الشبكة, موضحين أن طريقة عرض الذات من خلال الهوية والصورة على علاقة وثيقة أيضاً بنظرة الفتاة إلى نفسها.
عقوبات التحرش:
وفي سبيل التوصل إلى عقوبات رادعة لهذه الظاهرة, تواصل اللجان المختصة في مجلس الشورى السعودي عملها على إخراج مشروع جديد لعقوبات التحرش في السعودية ضمن سلم يتضمن عقوبات مثل السجن لستة أشهر وغرامات تصل إلى 50 ألف ريال سعودي.
واعتبر المحامي علي بن فريح العقلا أن تقنين العقوبات للتحرش الجنسي أمرا لابد منه، داعيا إلى تقنين العقوبات التعزيرية لوجود فجوة كبيرة بين أبسط التعزيرات الذي يبدأ بتعهد، وأكبرها الذي يصل إلى القتل بالسيف.
وأوضح عضو المجلس مازن بليلة أن فكرة المشروع تأخرت لاعتبارات عديدة، مؤكدا أن أي مشروع جديد أو فكرة جديدة تطرح في المجلس يكون لها مؤيدون ومعارضون، ومشروع مكافحة التحرش الجنسي له معارضون، مشيرا إلي أن المعارضة يجب ألا تسبب تأخير عرض المشروع لأنها لا تقصد توقيف شيء مفيد للوطن، بقدر ما هو خلاف وجهات نظر في أهمية المشروع ومدى خدمته للوطن.
وذكر أن المشروع وجد معارضة في مجلس الشورى خوفا من الاختلاط، وأضاف "بليلة" بحسب ما أوردته صحيفة "اليوم" السعودية أن وجهات النظر المعارضة تقول إن المشروع يشجع الاختلاط وهي نظرة غير واقعية، لأن المشروع عام في استغلال العلاقة بين الرجل للمرأة ومن المرأة للرجل أو من نفس الجنس.
خطوة رائدة:
وقد اتخذت البحرين خطوة سباقة, في هذا الصدد, حيث وافق البرلمان البحريني على أول قانون من نوعه في منطقة الخليج، يجرم إساءة استخدام تقنية البلوتوث في هواتف الجوال ببث مشاهد تخدش الحياء.
كما يشمل القانون الجديد أي إساءة في استخدام وسائل الاتصال الحديثة مثل الهاتف الجوال والماسنجر وإرسال البريد الإلكتروني غير المرغوب فيه، ونصت العقوبة في هذا الجانب بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر وبالغرامة التي لا تقل عن 100 دينار بحريني، علما أن نص القانون يجرم المتحرشين من الرجال بالنساء ولا يشمل النساء الذين يقومون بالفعل نفسه.
 

أضف تعليقاً
This is a captcha-picture. It is used to prevent mass-access by robots. (see: www.captcha.net)