اختيار شريك الحياة .. حق كفله الإسلام للمرأة

الثلاثاء, 12 / 13 / 2011 - 08:25
لا يوجد تقييم بعد

يعد الاختيار الصحيح أحد أهم الوسائل التي تكفل استقرار الحياة الزوجية، لاسيما أن هذا الحق مكفول للشاب والفتاة على وجه الخصوص، إذ أن التوافق بين الطرفين والتفاهم وتناسب المستوى الاجتماعي والثقافي والفكري والديني، هو طوق النجاة التي يدفع الأسرة المسلمة إلى مواجهة طوفان المشكلات الأسرية التي نسمع عنها كل يوم، وما ينتج عنها من تزايد معدلات الطلاق بصورة مسبوقة.

      لكن الملاحظ خلال الفترة الأخيرة هو تراجع مستوى الحرية التي تتمتع بها الفتاة في اختيار شريك حياتها، واتجاه الأهل إلى فرض شاب بعينه على الفتاة، وهو ما يعرف بـ" العضل"، لأسباب ترجع إلى العادات والتقاليد أو الجهل بحقوق المرأة التي شرعها الدين الإسلامي الحنيف.

 

أخطر الجرائم :

 

         الظاهرة بدأت تتصدر المشهد السعودي، وتطالعنا وسائل الإعلام بين حين وآخر عن رصد عدد من قضايا عضل الفتيات، تُنظر أمام المحاكم، وتنتظر القول الفصل في إنصاف الفتاة أو المرأة، وإعطاءها الحق الذي منحها إياه الشرع الحنيف، والذي ينص على حرية اختيار شريك حياتها، مادامت تتوافر فيه شروط العفة والتدين والأخلاق.

         وللأسف قد يستغل بعض الآباء وأولياء الأمور حق الولاية، كي يتحكم في المرأة، ويمنعها من ممارسة حقوقها المشروعة، مما يشكل تعدياً صارخاً على هذه الحقوق، متناسين أن الولاية في الأساس تهدف إلى حفظ مصلحة المرأة، ووقايتها من الابتزاز والخداع.

          وبهدف مواجهة هذه الظاهرة الملفتة، قامت الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان بالمملكة، بإدراج عضل المرأة ضمن جرائم الاتجار بالبشر، والتي تصل العقوبة فيها لمدة 15 عاماً، وأكد رئيسها الدكتور بندر العيبان على خطورة عضل المرأة عن الزواج، مُذكراً بما ينتج عن هذه الممارسات من ظلم للمرأة، وتعسف في استعمال الولاية الشرعية في غير ما شرعت له، مضيفاً أن العضل يتنافى مع أحكام الشريعة الإسلامية القائمة على العدل والمصلحة، كما يعد انتهاكاً للحقوق الإنسانية المعتبرة، واصفاً العضل بـ "إحدى أخطر الجرائم" التي تؤثر على المجتمع وتكوين الأسرة.

          ويمكن القول أن ظهور ظاهرة العضل على الساحة السعودية، يرجع في جزء كبير منه إلى زيادة الوعي الديني لدى المرأة، ومعرفتها بحقوقها الإسلامية كاملة، فخلال الفترة الماضية دشنت ناشطات حقوقيات سعوديات حملة على موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك" بعنوان "كفا عضل"، ورصدت فيها ما يزيد على 1800 مشكلة عضل في أنحاء متفرقة من المملكة العربية السعودية.

         وحسب البيانات الصادرة عن الحملة فقد احتلت المنطقة الجنوبية قائمة المناطق التي تشهد انتشار تلك الظاهرة بنسبة 38.7%، تليها منطقة غرب المملكة بنسبة 22%، ثم المنطقة الوسطى بنسبة 21.29%، والمنطقة الشرقية بنسبة 10%، والشمالية بنسبة 7.91%.

 

حق شرعي :

 

       الدين الإسلامي كفل للمرأة حقوقاً كثيرة، والهدف منها تكريمها وصيانتها والارتقاء بشأنها، كما حث أيضاً على الزواج باعتباره علامة من علامات الله في الكون، فبه تتكون الأسرة المسلمة، التي تعد النواة الأولى لبناء المجتمع الإسلامي، وجعل عمادها المودة والرحمة بين الزوجين، فقال تعالى : ( وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ) الروم : 21.

        وقال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم : " يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِيعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وَجَاءٌ".

       ولم يكتف الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - بالحث على الإسراع بالزواج لمن لديه المقدرة، لكنه في الوقت نفسه وضع القواعد التي يهتدي بها الرجل والمرأة في اختيار شريك الحياة، فقال في الحديث الشريف:  "تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك".

       كما وجه دعوته للآباء وأولياء الأمور بقبول الشاب أو الرجل الذي يتمتع بالخلق القويم، فقال: "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفسادٌ عريض".

         وبذلك نرى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يذكر فقط الدين دون الخُلق، وإنما جمع الدين مع الخُلق، بل قدم الخُلق على الدين، وذلك لأهمية الأخلاق الحسنة في سفينة الحياة الزوجية.

       فالتي تقبل بشاب عنده دين وليس عنده خُلق، فلا تلوم إلا نفسها إن توالت عليها المصائب والهموم والنكبات في حياتها، والسبب أنها لم تتقيد بهذه الوصية النبوية الرائعة في مسألة الاختيار، وكذلك التي ترضى بشاب عنده خُلق فقط ولا يحمل في حياته أي تمسك بالدين والاستقامة، وغير محافظ على الطاعات والواجبات، فلا تلوم إلا نفسها إن توالت عليها المنغصات والمصائب والهموم والنكبات في حياتها.

        المؤكد شرعاً هو تمتع المرأة بحرية في اختيار شريك حياتها طالما توافر فيه الدين والخُلق، ومنع المرأة من ذلك يعد ظلماً كبيراً لها ولحقوقها المشروعة، فيقول الشيخ زاهر العبري: "لكي تصبح الأسرة دار استقرار، ينعم فيها الصغير، ويسعد فيها الزوجان، وتعد للحياة أبناء صالحين تحيا بهم الأمة حياة طيبة كريمة، كان لابد من إقامتها على ما يربط بين القلوب ويؤلف بين الأرواح، ومن هنا شرع الإسلام حق الاختيار لكل من الرجل والمرأة مما يؤكد الحرص على الكرامة الإنسانية".

        لكن ينبغي التنبيه هنا إلى أمر مهم وهو أن لا يكون زواج المرأة إلا بموافقة ولي أمرها، فلا زواج إلا بولي سواء كان أبوها أو أخوها أو عمها مع شاهدي عدل، وكذلك القاضي الشرعي أو المسئول الأعلى له أن يزوجها إن رأى مصلحة للمرأة في ذلك، فقد قال صلوات الله عليه: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل"، وقال أيضاً: "لا نكاح إلا بولي والسلطان ولي من لا ولي له".

 

أضرار وفوائد:

 

       إن المتأمل لظاهرة الطلاق المنتشرة في جميع المجتمعات العربية، يجد أن السبب الرئيس لها ضمن أسباب أخرى، هو عدم التوافق والتفاهم بين الزوجين، وهذا يرجع بالأساس إلى إجبار المرأة على الزواج ممن لا تريده ولا ترغبه زوجاً وأباً لأولادها.

         ويؤكد الداعية نبيل بن ناصر السناني في كتابه الصادر حديثاً بعنوان "الاختيار والاستقرار في الحياة الزوجية" أن الزواج النافع والطيب الذي يؤسس على الإخلاص والتعاون والتناصح بين الزوجين، ويبنى على الحب والرأفة والاحترام، وعلى أن يكمل كل منهما الآخر، ويعيشا في معزل عن العنف والشدة والبعضاء، بعيداً كل البعد عن الخيانة الزوجية التي هي سلّم إلى تفكك قلبين محبين اجتمعا يوما ما على أساس متين وبناء متكامل.

          وكما اهتم الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - بالتأكيد على حق المرأة في اختيار زوجها، اهتم أيضاً بالحياة الزوجية وأركانها الإسلامية، وأوصى الرجال بأن تكون معاملتهم لنسائهم معاملة لطيفة ولينة، ونابعة من المودة والرحمة والشفقة.

        فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فإذا شهد أمراً فليتكلم بخير أو ليسكت، واستوصوا بالنساء، فإن المرأة خُلقت من ضلع، وإن أعوج شئ في الضلع أعلاه، إن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، استوصوا بالنساء خيرا" وقد فُسر الكسر بأنه الطلاق.

 

         من هنا نؤكد على ضرورة تمتع المرأة بحقها في اختيار شريك حياتها، مادامت تتبع الوصايا النبوية المباركة، وعلى الآباء عدم منعها من هذا الحق، الذي يؤدي إلى استقرار الأسرة وسيادة قيم التراحم والمودة بين الزوجين، بدلاً من إجبارها على الزواج من رجل بعينه أو رفض آخر تريده لأسباب غير منطقية، لأن في ذلك مخالفة لما جاء به الشرع الحنيف، الذي أمر بحريتها في الاختيار، وعلينا أن نتذكر قول الله تعالى في محكم آياته: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ).

        ولمواجهة عضل الفتيات، يتوجب تضافر جهود الدعاة ووسائل الإعلام والمؤسسات الحكومية والجمعيات الخاصة بالمرأة، من أجل نشر الثقافة الحقوقية للمرأة على أساس الشريعة الإسلامية، وإبراز ومعالجة هذه الظاهرة التي لا تمت للإسلام بصلة، وتوعية الآباء وأولياء الأمور بخطورتها ومخالفتها للدين الإسلامي.

 

اضف تعليقات جديد

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
XML sitemap
The default priority is 0.5.